아직 이 언어로 번역되지 않았습니다 العربية
المجلس الثالث والثمانون
الحلقة الثالثة والثمانون
1️⃣
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله الذي لم يزل عليمًا حكيمًا، وصلى الله وسلم وبارك على محمدٍ الذي أرسله ربُّه إلى الناس بشيرًا ونذيرًا، وعلى آله وصحبه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
••┈┈┈┈┈┈┈┈┈┈┈••
أما بعد:
فهذا مجلسٌ جديدٌ -أيها الإخوة- من مجالس العروة الوثقى.
أسأل الله عز وجل، وهو وليُّ الإسلام وأهله، أن يُمسكنا بالإسلام حتى نلقاه به.
⇐لا نزال نتحدث في القسم الأول من الأقسام الثلاثة التي تجادل في سبيل الشرك.
▬ وقد ذكرنا أن هناك من يجادل في سبيل الشرك، فصاحبه يقول: إن هذا الفعل شركٌ، ولكنه يُباح للضرورة، أو للمصلحة، أو لدفع المفسدة، ونحو ذلك من الشبه التي تقدمت معنا.
⇐وهناك قسمٌ آخر يقول: إن هذا الفعل ليس شركًا أصلًا، بل هو جائزٌ من أساسه.
وهذا -في الحقيقة- أشدُّ من الأول؛ لأن الأول يقرُّ بأنه شرك، ثم يلتمس له المعاذير، أما الثاني فينفي عنه وصف الشرك من أصله.
ومع ذلك فالجميع داخلون في أبواب الضلال والخطأ.
⇐ويبقى القسم الثالث، وهو المجادل عن المشركين الذين وقعوا في الشرك.
ولا نزال في القسم الأول، وهو المجادل عن سبيل الشرك.
📌وقد تكلمنا في اللقاء الماضي عن قصة النجاشي رضي الله عنه، وذكرنا أن قصة النجاشي تتعلق ببابين:
◄بابٍ يدخل في الكلام على المجادلة عن الشرك نفسه.
◄وبابٍ يدخل في الكلام على المجادلة عن سبيل الشرك.
وبقي معنا الكلام على شبهة إمارة يوسف عليه السلام، كما بقي معنا الكلام على عمل صلاح الدين الأيوبي رحمه الله في الدولة العبيدية.
وهاتان الشبهتان يجمعهما أصلٌ واحد.
فإن المحتجين بهما يقولون: إن بعض المسلمين عملوا عند حكامٍ كفار، فيستدلون بذلك على جواز العمل عند الكفار لتحقيق المصالح، أو للوصول إلى الحكم، أو للتمكن من إقامة الشرع بعد ذلك.
فيقولون: إن يوسف عليه السلام عمل عند حاكمٍ كافر، وإن صلاح الدين الأيوبي رحمه الله عمل عند الدولة العبيدية، وهي دولةٌ كافرة.
فنبدأ أولًا بقصة صلاح الدين الأيوبي رحمه الله؛ لأن فيها شيئًا من التفصيل، ثم بعد ذلك يتبين وجه الاشتراك بين المسألتين.
#فأقول -وبالله المستعان-:
إن نور الدين زنكي رحمه الله كان من كبار الأمراء وأئمة العدل.
وكان العلماء يذكرون من مناقبه أن صلاح الدين الأيوبي نفسه يُعدُّ من حسنات نور الدين زنكي.
فنور الدين زنكي إنما هو امتدادٌ لمشروع أبيه عماد الدين زنكي رحمه الله.
وكان عماد الدين زنكي يسعى إلى توحيد المسلمين بعد أن تمزقت بلادهم وتفرقت كلمتهم.
وكانت الحال شبيهة بما وقع في الأندلس زمن ملوك الطوائف؛ حيث صار كل صاحب إمارة يستبد بما تحت يده، بل ربما قاتل جاره ليستولي على ما عنده.
وفي أحيان كثيرة كان بعضهم يستعين بالصليبيين على إخوانه المسلمين، فيدفع لهم الأموال ليستعين بهم على الاستيلاء على مدينةٍ أو حصنٍ أو إقليم.
وكان هذا من أعظم أسباب الضعف والانهيار.
فبدأ عماد الدين زنكي بإصلاح الداخل وتوحيد الصفوف، مع استمرار الجهاد ضد الصليبيين في الوقت نفسه.
وظل يجاهد حتى دخلت تحت سلطانه مدنٌ كثيرة، وحصونٌ عديدة، وأقاليم واسعة.
ثم جاء بعده ابنه نور الدين زنكي رحمه الله، فزاد المشروع قوةً ورسوخًا.
وسار على طريق أبيه، إلا أنه كان أهدأ منه، وأكثر عدلًا، وأشد تمسكًا بالسنة.
والحقيقة أن نور الدين زنكي من الشخصيات التي ينبغي لطالب العلم أن يقرأ سيرتها ويتأملها.
فأنصحكم -أيها الإخوة- أن ترجعوا إلى ترجمته في كتب التراجم والتاريخ، ككتاب "سير أعلام النبلاء" وغيره من الكتب التي ترجمت له.
وكان نور الدين زنكي يجعل مصر نصب عينيه.
ومصر -أيها الإخوة- بلدٌ عظيم الشأن، له منزلة كبيرة في تاريخ الإسلام.
ولا ينبغي للإنسان أن يتعامل مع الشعوب بمنطق الأهواء؛ فيمدحها إذا وافقته، ويذمها إذا خالفته.
فبعض الناس إذا وافقته الجماهير بالغ في مدحها، وإذا خالفته بالغ في ذمها والطعن فيها.
وهذا ليس من العدل.
فالناس فيهم الصالح والطالح، والعالم والجاهل، والمصلح والمفسد.
ومصر بلدٌ له قدره ومكانته.
#وقد_ذكر_ابن_عبد_الحكم رحمه الله في "تاريخ مصر" أنه لا يعلم مصرًا من الأمصار ذُكر في القرآن أكثر من مصر.
#وروي_عن_ابن _عباس رضي الله عنهما أنه قال: "ذُكرت مصر في أربع آيات".
#وذكر_السيوطي رحمه الله أنها ذُكرت في نحو ثلاثين موضعًا تصريحًا وتلميحًا.
ومن ذلك قول يوسف عليه السلام:
﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾.
#فقد_ذكر_بعض_أهل_العلم أن يوسف عليه السلام جعل الشام -على ما فيها من الزروع والخيرات والجمال- بمنزلة البادية إذا قيست بمصر.
2️⃣
ومعذرةً على هذا الاستطراد، لكن الحديث يجرُّ بعضه بعضًا- فإن الإنسان قد يسمع أحيانًا من يبالغ في ذمِّ البلد والطعن فيها والتقليل من شأنها.
والحق أن الله عز وجل إذا عظَّم شيئًا أو رفع شأنه، فإن من تعظيم الله عز وجل تعظيم ما عظَّمه.
وقد ذكر الله عز وجل مصر في كتابه، واحتفى بها القرآن في مواضع عديدة.
وكانت مصر عبر التاريخ من أعظم الأقاليم شأنًا، حتى إن من ملك مصر كان يُعدُّ في منزلةٍ تقارب منزلة الخليفة من حيث القوة والتأثير.
ولذلك كان من أسباب الإشكال الذي وقع بين نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي رحمهما الله أن صلاح الدين لما استقر له أمر مصر صار يملك إقليمًا عظيمًا له وزنه وتأثيره.
وكان نور الدين زنكي إلى آخر لحظة من حياته مشتغلًا بالجهاد وقتال الصليبيين.
فأرسل إلى صلاح الدين يطلب منه الخروج للانضمام إليه في قتال الصليبيين.
فتأخر صلاح الدين شيئًا ما، فدخل بعض الناس على نور الدين وقالوا له: إن صلاح الدين لما ملك مصر صار أمره أعظم، وربما استقل عنك.
وكان صلاح الدين في الأصل من عمال نور الدين وجنده.
فلما بلغه ما يُقال، أرسل إلى نور الدين رسالةً يظهر فيها غاية الطاعة والخضوع، وقال له ما معناه:
إن شئت أن ترسل إليَّ نجّابًا يأخذني من نصرتي إليك فافعل.
والنجّاب هو الذي يقود الإبل.
ومعنى كلامه: إن شئت أن تأمر من يأخذني من موضعي ويقودني إليك كما يُقاد البعير فعلت، إظهارًا للطاعة والانقياد.
ثم جرت بينهما المراسلات والمصالحة، وأظهر صلاح الدين أنه لا يزال جنديًا من جنود نور الدين وتحت أمره.
ثم توفي نور الدين زنكي رحمه الله.
والمقصود من ذلك كله أن مصر كانت إقليمًا عظيم الشأن، شديد الأثر في موازين القوة والسياسة.
وقد دخل المأمون مصر يومًا، فنظر إليها وقال:
«قبح الله فرعون، يقول: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾، فكيف لو رأى بغداد؟».
وكان عنده الإمام سعيد بن عفير رحمه الله.
فقال له:
لا تقل هذا يا أمير المؤمنين.
فإن الله عز وجل أخبر عن مصر أنها قد أصابها ما أصابها من الخراب والدمار، ومع ذلك تراها على ما ترى من الخير والعمران.
فكيف كانت قبل ذلك؟
فقال المأمون:
صدقت يا ابن عفير.
ثم أخذ ابن عفير يصف مصر وما كانت عليه من الخصب والزرع والأنهار والبساتين، حتى كأنه يصف جنةً ممتدة من أولها إلى آخرها.
وكانت مصر ذات مكانة عظيمة عند المسلمين.
#ولهذا_كان_عمرو بن العاص رضي الله عنه يلحُّ على عمر بن الخطاب رضي الله عنه في فتحها، لما لها من موقعٍ استراتيجي وأهمية كبرى.
ومن نظر في كتب التاريخ رأى عناية المؤرخين بمصر عنايةً خاصة.
فالمؤرخون في المشرق يعتنون بتاريخها، والمؤرخون في المغرب يعتنون بها كذلك.
وذلك كله يدل على مكانتها وعظيم شأنها.
وليس الميزان في الحكم على البلدان أن توافق أهواء الناس أو تخالفها.
فإذا وافقتهم مدحوها، وإذا خالفتهم ذموها.
بل الحق أن يُعطى كل شيء قدره.
والمقصود أن نور الدين زنكي كانت عينه على مصر منذ زمن.
وكان النظام العبيدي القائم بمصر يومئذٍ يقوم على صورةٍ ظاهرها وجود خليفة، وحقيقتها أن الأمر لم يكن كذلك.
فأولئك الذين كانوا يُسمَّون خلفاء لم يكونوا خلفاء في الحقيقة، بل كانوا على عقائد باطلة.
وكان الذي يدير الدولة فعليًا هو الوزير.
وكان من أشهر وزرائهم رجل يُقال له شاور.
وكان شاور هو المتصرف الحقيقي في شؤون الدولة.
وكان رجلًا متقلبًا، يسير بحسب مصالحه.
فأرسل إلى نور الدين زنكي يطلب النجدة، ويقول إن الصليبيين يهددون البلاد، ويطلب منه المساعدة.
فاستجاب له نور الدين.
لكن كان هناك أمرٌ يشغل نور الدين زنكي ويجعله مترددًا في بعض خطواته.
فهو رجلٌ سنيٌّ يعلم حقيقة القوم وما هم عليه من الانحراف والباطنية.
وكان يريد ضم مصر إلى سلطان المسلمين وإدخالها تحت حكمه.
لكن كانت عنده مشكلة أخرى.
فهو يستطيع أن يدخل مصر بجنده، لكن هل يستطيع أن يُبقي الجند فيها زمنًا طويلًا؟
كان يخشى على عقائد الجند.
لأن القوم كانوا باطنيةً شيعة.
وكان يخاف أن تؤثر مخالطتهم الطويلة في جنوده.
فكان يوازن بين المصالح والمفاسد، وينظر في الأمر نظرًا دقيقًا.
ولهذا ينبغي أن يُفهم كلام أهل العلم ومواقفهم في سياقها الصحيح.
فليس كل اختلاطٍ بأهل البدع أو أهل الباطل أمرًا هيِّنًا.
بل كان العلماء يحذرون من تأثير العقائد المنحرفة، ويجعلون لذلك اعتبارًا كبيرًا في تقدير المصالح والمفاسد.
3️⃣
📌والذي أريد أن أقوله لكم: إن الإنسان أحيانًا يسمع كلامًا لا يكاد ينتسب إلى دينٍ ولا تاريخٍ ولا عِرقٍ ولا لغةٍ ولا شيءٍ من ذلك أصلًا.
حتى يظن السامع أن القائل يرى إمكان الاندماج الكامل مع هؤلاء القوم من غير أن يترتب على ذلك ضررٌ في الدين أو العقيدة، بل وربما يتصور أن هؤلاء هم الذين يمكن أن تُقاد بهم الدولة وتُبنى بهم الأمة.
والمقصود أن نور الدين زنكي رحمه الله كان يخشى من هذا الأمر.
فكان يرسل الجيوش إلى مصر، ثم يعيدها، ويتردد في بعض الخطوات بسبب ما ذكرناه من الاعتبارات العقدية والسياسية.
وكان قد أرسل أسد الدين شيركوه رحمه الله.
وكما تعلمون، فإن نجم الدين أيوب -والد صلاح الدين- كان من أقرب الناس إليه وأوثقهم عنده، وأما الذراع العسكرية البارزة فكان أسد الدين شيركوه، عمَّ صلاح الدين وأخو نجم الدين أيوب.
وكان أسد الدين شيركوه رجلًا مهيبًا شديد البأس، حتى إن بعض المعارك كانت تنتهي أو تضعف عزائم الناس إذا عُلم أنه لن يكون حاضرًا فيها.
وكانت له هيبة عظيمة بين خصومه.
ومن ذلك أنه لما وقع الحصار الشديد على بعض الحصون، وأرسل إلى نور الدين زنكي يطلب المدد، طال انتظار النجدة، واشتد الحصار على من معه.
#فاجتمع_الأمراء_وقالوا: ننزل على الصلح، ونخرج آمنين؛ فإننا لا نستطيع الاستمرار على هذه الحال.
فوافقهم على ذلك.
فلما خرج من الحصن لقيه رجل من النصارى، فقال له:
أأنت أسد الدين شيركوه؟
قال: نعم.
قال: وكيف خرجت من الحصن؟
فقد بلغنا عنك أنك لا تترك القتال ولا تنسحب من معركة.
فقال أسد الدين شيركوه -وكان آخر الخارجين من الحصن لا أولهم-:
إني نزلت على رأي هؤلاء الأمراء.
وأشار إليهم.
أما رأيي أنا، فكان أن أبقى حتى يأتي نور الدين زنكي، ثم أقاتلكم حتى أُقتل، فيأتي نور الدين بعد ذلك فيستخلص الحصن من أيديكم.
فلما سمع الرجل ذلك صُعق من كلامه، وقال:
صدق ما كان يبلغنا عنك.
فقد رأى منه استخفافًا بالموت، وثباتًا عجيبًا في القتال.
والشاهد أن نور الدين زنكي كان يتعامل مع وضعٍ شديد التعقيد.
فمن جهةٍ كان هناك الصليبيون.
ومن جهةٍ أخرى كان الوزير شاور.
وكان شاور رجلًا متقلبًا غادرًا.
فتارةً يتحالف مع الصليبيين، ويستعين بهم على جيوش نور الدين.
وتارةً يطلب نجدة نور الدين على خصومه.
فيدخل هؤلاء مرةً، ويستعين بأولئك مرةً أخرى.
وكانت الأحوال في غاية الاضطراب.
حتى انتهى الأمر بعد ذلك إلى أن قُتل شاور.
وسنذكر بعض ما يتعلق بذلك.
ثم لما تُوفي أسد الدين شيركوه، تولى صلاح الدين الأيوبي رحمه الله زمام الأمور من بعده.
وهنا ينبغي أن ننتبه إلى توصيف المسألة توصيفًا دقيقًا.
فإن الوزير في تلك الدولة كان هو الذي يدير البلاد حقيقةً.
أما الخليفة العبيدي فكان مجرد صورةٍ شكلية لا أكثر.
فإذا صار صلاح الدين وزيرًا، فهل معنى ذلك أنه كان يعمل عند العبيديين؟
الجواب: نعم، من حيث الصورة الظاهرة كان وزيرًا في دولتهم.
وهنا ينبغي أن نحرر محل النزاع.
فالمسألة التي نتكلم عنها هي:
ما حكم المسلم إذا عمل عند كافر؟
وهذه صورة.
أما ما يترتب على ذلك من نتائج كإقامة بعض المصالح، أو نشر الإسلام، أو الدعوة إلى الحق، أو غير ذلك، فهذه أمور أخرى تُبحث في مواضعها.
لكن أصل الصورة هنا هو: مسلم يعمل عند كافر.
وهذا هو القدر المشترك الذي يستدل به المحتجون بقصة يوسف عليه السلام وقصة صلاح الدين الأيوبي رحمه الله.
وهناك أمر آخر ينبغي التنبه له.
فإن العبيديين كانوا بالفعل يغيرون بعض أحكام الشريعة ويبدلون بعض الشرائع.
لكنهم -في الوقت نفسه- كانوا يُبقون كثيرًا من مظاهر القضاء بين الناس.
فكان يوجد قضاة يحكمون بالشريعة في جملة من الأحكام.
وكانت توجد صلاة وجماعات ومؤذنون وغير ذلك.
صحيح أن البدع والانحرافات كانت قد دخلت، وأن التبديل كان واقعًا، لكن لم يكن الأمر على صورة إلغاء الشريعة بالكلية.
بل كان الناس يعلمون أن لهم دينًا، وأن لهؤلاء مذهبًا آخر.
وكان العلماء يعارضونهم وينكرون عليهم.
وقد كان بعض الخلفاء العبيديين يستدعي العلماء ويهددهم، وربما خيرهم بين الموافقة أو العقوبة.
ومع ذلك كان كثير من أهل العلم يثبتون على الحق ولا يوافقونهم.
⇐ولهذا أقول دائمًا:
إن توصيف الصورة توصيفًا صحيحًا من أهم ما يكون.
لأنك إذا أخطأت في توصيف المسألة أخطأت في تنزيل الحكم عليها.
فالحكم فرعٌ عن تصوُّر المسألة.
فإذا تصورتها على غير حقيقتها أخطأت في الحكم.
إذن فالصورة المشتركة بين يوسف عليه السلام وصلاح الدين الأيوبي رحمه الله هي:
أن مسلمًا يعمل عند كافر.
وهذا هو القدر الذي ينبغي تحريره أولًا.
ثم بعد ذلك يأتي الكلام على الفروق والتفاصيل والأجوبة الأخرى.
وخلاصة الأمر أن صلاح الدين الأيوبي رحمه الله كان يعلم فساد شاور، وكان أسد الدين شيركوه من قبله يتمنى التخلص منه.
لكن شاور كان محاطًا بالحرس والخدم والأتباع، وكان ذا مكانةٍ ونفوذ.
ثم وقعت حادثة عجيبة.
4️⃣
فقد هبَّت ريحٌ شديدة وهم في طريقهم.
فانتهز صلاح الدين الأيوبي الفرصة، وأخذ شاور من على فرسه، وأركبه معه، ثم انطلق به وسط اضطراب الجو والريح.
وكان حرسه يومئذٍ قد تفرقوا ولم ينتبهوا لما حدث.
ثم قيده ووضعه، وقال: «إلى أن يأتي عمي»، يعني: أسد الدين شيركوه.
فلما حضر أسد الدين شيركوه، نظر في الأمر، وقال: «اضربه».
وكان في هذا الموقف هيبةٌ ظاهرةٌ لصلاح الدين الأيوبي رحمه الله.
ثم إن أسد الدين شيركوه تمكَّن من البلاد، وبعد ذلك آل الأمر إلى صلاح الدين الأيوبي، فاستقر له السلطان والتمكين.
‼️هنا نبدأ بطرح المسألة.
وهذه القضية شبيهة بقصة يوسف عليه السلام. فقد ذكر ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية أن الملك قال ليوسف عليه السلام ما معناه: «لا يفضلني عليك إلا الكرسي»، أي: ليس بيني وبينك إلا اسم الملك والسلطان، وأما تدبير الأرض وأمرها فكان بيد يوسف عليه السلام.
وأحب أن أضع بين قوسين أمرًا ذكره بعض المؤرخين، وهو أن طائفة منهم ذهبت إلى أن هذا الملك كان مسلمًا أصلًا، وطائفة أخرى قالت: إنه أسلم على يد يوسف عليه السلام.
وهذه مسألة لا نعتمد عليها هنا في الاستدلال، وإنما أذكرها للتنبيه فقط.
طيب، هذه الصورة يا إخوة، هل ترون فيها تبديلًا لحكم الله عز وجل أو حكمًا بغير ما أنزل الله؟ الجواب: لا.
ولبيان ذلك نذكر قاعدة مهمة، وهي من القواعد التي يُرجع إليها في كثير من الشبهات:
◄أولًا: الحكم بغير ما أنزل الله كفر بإجماع المسلمين في الجملة. وحيث كان الكفر كفرًا، فإن الكفر البواح والشرك الصراح لا يباحان بالرخصة إلا في حال الإكراه المعتبر شرعًا (الإكراه الملجئ).
والإكراه المعتبر قد سبق الكلام عليه، وهو لا يتصور في بعض الأحوال التي يكون فيها المسلم قادرًا على الدفع والقتال؛ لأن الله تعالى خاطبه حينئذٍ بخطاب الجهاد والقتال، فإذا وُجدت الشوكة والقدرة انتفى معنى الإكراه.
فإذا كان الأمر كذلك، وكان الحكم بغير ما أنزل الله كفرًا بالإجماع، ولم يوجد إكراه معتبر، فلا يجوز لأحد أن يفعله. ولو كان صلاح الدين رحمه الله قد وقع في ذلك حقيقةً للزم الحكم عليه بما يقتضيه ذلك الفعل وكفرته الأمة، ولكن هذا لم يقع أصلًا.
⇐إذن فما حقيقة هذه القصة؟
نقول: هذه تسمى عند الأصوليين واقعة عين أو واقعة حال، وهي مسألة جزئية لا كلية.
والفرق بين الكلي والجزئي مهم جدًا؛ فالكلي هو الأصل العام الذي دل عليه الكتاب والسنة وأجمع عليه المسلمون، وهو الذي يُخاطب به عموم الأمة. أما الواقعة الجزئية فهي حادثة معينة تحتمل وجوهًا متعددة من الفهم والتأويل.
وقد سبق أن تكلمنا عن هذا المعنى في مسألة الكليات والجزئيات، ونقلنا كلام الإمام الشاطبي رحمه الله في ذلك.
فإذا وجدنا إجماعًا قطعيًا مستندًا إلى نصوص قطعية من القرآن والسنة، كقوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾،
وقوله تعالى:
﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾،
وقوله تعالى:
﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾،
وغير ذلك من النصوص المحكمة؛ فإن هذا الإجماع يكون مستندًا إلى أدلة قطعية.
▬ ولهذا قرر الأصوليون أن الإجماع القطعي إذا عارضه ظاهر نص محتمل الدلالة، فإنه يُسعى أولًا إلى تأويل النص بما يوافق الإجماع.
↻فإن لم يمكن ذلك، فإن النص المحتمل لا يُجعل ناقضًا للإجماع القطعي؛ لأن الإجماع نفسه مبني على نصوص شرعية قطعية.
وليس معنى هذا ترك القرآن والسنة لأقوال الرجال، كما قد يتوهم بعض الناس؛ بل الإجماع الصحيح لا يكون إلا مستندًا إلى دليل من الكتاب أو السنة.
ولهذا قال العلماء: إن النص المحتمل قد تدخله الاحتمالات والتأويلات، أما الإجماع القطعي فلا يدخله ذلك بعد انعقاده.
ومن هنا تعلمون أن وقائع الأعيان لا يجوز أن تُجعل ناقضة للأصول الكلية المتفق عليها.
فإذا أُثيرت مثل هذه الشبهات، كان الجواب أن يقال:
هذه المسألة قد انعقد فيها الإجماع، وأما الواقعة التي تذكرونها فهي واقعة عين، ووقائع الأعيان لا تنقض الأصول الكلية.
وقد قرر هذا المعنى الشاطبي، والنووي، وابن تيمية، وابن رجب، وغيرهم من أهل العلم، في كلامهم على الكليات والجزئيات.
فالمسائل الجزئية لا تنقض الأصول الكلية، بل الواجب أن تُفهم الجزئيات في ضوء الكليات، لا أن تُجعل الكليات تابعة للجزئيات.
ولهذا كان من أعظم الخطأ أن تُعارَض الأصول المحكمة والاتفاقات القطعية بوقائع محتملة أو حوادث جزئية؛ لأن الجزئي قد يحتمل وجوهًا متعددة، أما الكلي فهو الأصل الذي تُرد إليه تلك الجزئيات وتُفهم على ضوئه..
5️⃣
#ولذلك_يقول_شيخ_الإسلام ابن تيمية رحمه الله في بيان منزلة الإجماع وحجيته:
إن الإجماع قطعيٌّ في دلالته.
وهنا مسألة مهمة، فإن العلماء عند الكلام على الاستدلال يختلفون: هل يبدأ المستدل بالإجماع أم بالنصوص؟
وانتبهوا إلى الفرق بين هذه المسألة وبين الكلام على مصادر التشريع.
فمصادر التشريع هي: الكتاب أولًا، ثم السنة، وما عداهما تابع لهما.
أما الإجماع فليس مصدرًا مستقلًا عن الكتاب والسنة، وإنما هو آخذٌ منهما، ومستندٌ إليهما، وكذلك القياس الصحيح إنما يكون على ما دل عليه الكتاب والسنة.
فإذا تكلمنا عن مصادر التشريع فشيء، وإذا تكلمنا عن ترتيب الاستدلال فشيء آخر.
ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أن أول ما يُستدل به هو الإجماع، وعلى رأس هؤلاء شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
#فقال في وصفه:
«أول الاستدلال، قاطع للشواغب، قطعي الدلالة، لا يقبل النسخ ولا التأويل».
‼️تأملوا هذه الكلمات.
فالإجماع أول ما يُستدل به؛ لأن دلالته قطعية، إذ قد أجمع عليه العلماء.
ولهذا يقول الأصوليون: إن الدلالة قد تكون قطعية وقد تكون ظنية، وأما مستند الحكم فقد يكون قطعيًا وقد يكون ظنيًا.
فإذا كان هناك مستند ظني ثم عضده الإجماع، فإننا نأخذ بالإجماع، لأن الإجماع رفع ذلك المستند الظني وجعل دلالته قطعية.
ولهذا عدَّ الأصوليون من أعظم فضائل الإجماع أنه قطعي الدلالة.
ولذلك يحارب كثير من أهل الأهواء قضية الإجماع في هذا الزمان.
فالإجماع ـ كما قال شيخ الإسلام ـ أول الاستدلال، وقاطع للشواغب، وقطعي الدلالة.
وقاطع للشواغب؛ لأنه متى ثبت الإجماع لم يجز لأحد أن يخالفه.
فإذا صح الإجماع انتهى النزاع.
ومن خالف الإجماع حُكم على قوله بالشذوذ.
ومن أنكر الإجماع فقد وقع في أمر خطير.
#ولهذا_قال_القاضي عياض رحمه الله في كتاب «الشفا»:
«وأجمعوا على كفر من أنكر الإجماع».
فانظروا إلى خطورة المسألة.
ولهذا لما أنكرت بعض طوائف المعتزلة حجية الإجماع، ذهب طائفة من العلماء إلى تكفيرهم، وذهب آخرون إلى أنهم لم يقصدوا إنكار الإجماع المعتبر شرعًا، وأن المسألة فيها تفصيل معروف.
والمقصود هنا أن الإجماع إذا ثبت فلا مجال لمخالفته.
ولهذا قالوا: إنه لا يقبل النسخ ولا التأويل.
ولماذا؟
لأن العلماء الذين أحاطوا بالنصوص الشرعية وأدلتها قد أجمعوا على هذه الدلالة.
فلا يصح بعد ذلك أن يأتي أحد فيقول: لعل هذا الحكم قد نُسخ، أو لعل دلالته صُرفت إلى معنى آخر.
#فلا يقال مثلًا: كان هذا حرامًا ثم صار مكروهًا، أو نحو ذلك، ما دام الإجماع قد انعقد على خلافه.
فإذا تبينت هذه القاعدة، فإننا نجيب بها عن جميع هذه الشبهات.
فنقول:
◄أولًا: الحكم بغير ما أنزل الله متفق على أنه من أكبر الذنوب، وقد نقل جماعة من أهل العلم الإجماع على كفر من استحل ذلك أو جعله دينًا يُتقرَّب به.
◄وثانيًا: أن الرخصة في الكفر لا تكون إلا عند الإكراه المعتبر شرعًا.
◄وثالثًا: أن طائفة من الناس لا يصح في حقها الاحتجاج بالإكراه؛ لأنها مخاطبة بخطاب آخر، وهو خطاب القتال أو الإعداد له بحسب القدرة والاستطاعة.
فهذه هي القاعدة الكلية.
ثم تأتي بعد ذلك الوقائع الجزئية.
وهنا ندخل القاعدة الثانية:
أن وقائع الأعيان، والمسائل الجزئية، لا تنقض الأصول الكلية.
فإذا وردت واقعة ظاهرها الإشكال، وجب أن تُفهم في ضوء الأصول المجمع عليها.
فإن أمكن الجمع بينها وبين الأصل الكلي، فهذا هو الواجب.
وهذا الذي سماه الشاطبي رحمه الله من باب التأويل الإضافي.
أما إذا لم يمكن الجمع ابتداءً، فإنها تكون شبهة حقيقية تحتاج إلى مزيد نظر وبحث.
وحينئذٍ يتوقف الإنسان فيها حتى يتبين وجهها، ولا يجعلها معارضة للأصول المحكمة.
وقد سبق أن نقلنا كلام الشاطبي رحمه الله في الفرق بين سبيل أهل الرسوخ وسبيل أهل الزيغ في التعامل مع المتشابهات والشبهات.
فصار عندنا الآن ثلاثة أجوبة:
◄الأول: الإجماع.
◄الثاني: أن الجزئي لا ينقض الكلي، وأن وقائع الأعيان لا تعارض الأصول العامة.
◄الثالث: أن هذه الوقائع نفسها ليست في حقيقتها حكمًا بغير ما أنزل الله أصلًا، لا في قصة يوسف عليه السلام، ولا في قصة صلاح الدين الأيوبي رحمه الله.
وما الدليل على ذلك؟
هذا ما سيأتي بيانه ـ إن شاء الله تعالى ـ في اللقاء القادم.
أسأل الله عز وجل أن يجعلني وإياكم ممن إذا دُعي بادر، وإذا نُهي انتهى، وعقل مثواه فهدى لنفسه.
وأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
والحمد لله رب العالمين.
읽고 나니 어떠셨나요?
이 글을 어느 언어로 읽든, 독자들은 여기서 함께 반응합니다.
글쓴이에 대하여
셰이크 사미르 무스타파는 이집트의 이슬람 설교자 아부 압드 알 라흐만 사미르 이븐 무스타파 알 수유티이다. 그는 1976년 아시우트 주에서 태어나 카이로 주 헬반 시에서 자랐고 대부분의 삶을 보냈다. 교육과 지식 추구 종교 연구: 그는 젊은 시절부터 종교적 지식을 추구하는 데 헌신했으며 이집트의 여러 대표적인 셰이크와 학자들의 손에서 공부했습니다. 그의 가장 유명한 교사: 그는 셰이크 하산 아부 알아스발 알즈하이리, 셰이크 아부 이사흐 알 후웨니, 그리고 셰이크 무함마드 압드 알매쿠드의 밑에서 공부했으며, 그는 셰이크 무함마드 후세인 야쿠브의 친근하고 끊임없는 동반자였다. 설교와 학술 활동 설교 및 강연: 그는 젊은이들에게 직접적으로 이야기하는 감동적인 연설 스타일로 유명해졌으며 카이로와 기자 모스크 및 기타 여러 이집트 지방에서 수백 개의 설교와 수업을 진행했습니다. 학문적 관심: 그의 설교에서 그는 건전한 신앙을 구축하는 데 집중했으며, 예언자와 이슬람 역사의 가르침과 영혼의 육성에 초점을 맞추었습니다. 주요 시리즈 및 글: 그는 많은 유명한 레코드 시리즈와 수업을 제작했으며, 그 중에서도 "이슬람의 위대한 전투", "단순한 사라에 대한 논평" 및 "선언자들의 이야기" 시리즈를 비롯하여 이슬람 진출에 관한 여러 작품과 책자 등을 감독했습니다. 수감: 2017년 우머라 의식을 수행하기 위해 여행을 떠나는 동안 체포된 후 그의 공중 설교 활동이 중단되었고, 그 이후로 그는 감옥에 갇혀있다.
후원
다음 번역 비용에 보태기
Turjuman 은 펴내는 모든 언어에서 무료로 읽을 수 있고 광고를 싣지 않습니다. 돈이 드는 것은 번역입니다. 이 글이 당신의 시간을 쓸 만했다면, 다음 글을 위해 조금 보태 주실 수 있습니다.
USDT · Tron (TRC20)
TCxC8zmmK9fqDy7B4FbeNs2hXJkfMQ6vjc
여기 적힌 코인만, 여기 적힌 네트워크로 보내세요. 잘못된 네트워크로 보낸 돈은 누구도 되찾을 수 없습니다.
이야기
이 글의 모든 언어 아래로 하나의 대화가 흐릅니다. 한국어 판으로 읽은 사람도, 다른 어떤 언어로 읽은 사람도 모두 여기서 이야기합니다.
함께하시려면 계정이 필요합니다. 이메일 주소와 비밀번호만 있으면 됩니다.
아직 아무도 말을 꺼내지 않았습니다. 당신이 처음일 수 있습니다.