والصورة في غزوة الأحزاب هي كالتالي
النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام يحفرون خندقاً يمنع العدو وبمشورة من سلمان رضي الله عنه (إنا كنا بأرض فارس إذا حوصرنا خندقنا علينا)، ثم يعسكر الجيش المسلم خلف الخندق وكانوا نحو ألف مقاتل وهو الراجح إن شاء الله، خلافاً لما ذهب إليه أكثر أهل السير وعلى ذلك أدلة ليس هذا موضعها، قال شيخ الإسلام: "وقد كان المسلمون يوم بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر، ويوم أحد نحو سبعمائة، و يوم الخندق أكثر من ألف أو قريباً من ذلك، أمامهم عشرة آلاف من مشركي العرب عقدوا العزم على دخول المدينة والقضاء على المسلمين، ثم فجأة ظهر عدو يهددهم من الخلف سافراً عن عدائه في أقبح صورة وهم يهود بني قريظة".
روى الحاكم والبيهقي عن حذيفة رضي الله عنه قال: "لقد رأيتنا يوم الأحزاب ونحن صافون قعود و أبو سفيان ومن معه من الأحزاب فوقنا وقريظة اليهود أسفل منها نخافهم على ذرارينا"، قال السعدي رحمه الله: "فحاصروا المدينة واشتد الأمر وبلغت القلوب الحناجر حتى بلغ الظن من كثير من الناس كل مبلغ لما رؤوا من الأسباب المستحكمة والشدائد الشديدة". اهـ
ولقد بلغ الخوف والجوع بالمسلمين مبلغاً عظيماً إلى درجة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نادى يوماً في الناس فقال: "من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم" يشترط له رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يرجع أدخله الله الجنة فما قام رجل، ثم صلّى صلى الله عليه وسلم هوياً من الليل ثم التفت إلينا فقال "من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع" يشترط له رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجعة، "أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة" فما قام رجل من القوم مع شدة الخوف وشدة الجوع وشدة البرد، فلما لم يقم أحد دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني.
فلما اشتد الأمر وخاف النبي صلى الله عليه وسلم على الذراري والنساء من يهود قريظة، إذ لم يكن هناك مانع عسكري معتبر يردعهم عن ذلك أو حتى أن تمتد أياديهم النجسة إلى المسلمين من الخلف، أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يفرق جمع الأحزاب وأرسل إلى غطفان يصالحهم على الرجوع وترك القتال مقابل ثلث ثمار المدينة، وجرت المراوضة على ذلك واستشار السعدين سيدَي الأوس والخزرج فقالا: "والله لا نعطيهم إلا السيف"، فصوب رأيهما وقال: "إنما هو شيء أصنعه لكم لما رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة"، ثم جاء الفرج بعد بضع وعشرين ليلة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً).
وذلك بصدق إيمانهم وحسن بلائهم وصبرهم على أمر الله وتوكلهم عليه، (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً)، هذا وينبغي أن تعلم أن المسلمين لم يكونوا قد استعدوا اقتصادياً لهذه المعركة الشرسة أو استعدوا ولم يكن عندهم ما يكفي أو يسد الرمق، فقد شرعوا في حفر الخندق وليس عندهم ما يأكلون ويسد غائلة الجوع، مع أنهم قوم هم أهل زرع ولكن اشتغلوا بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فثبت في سبب نزوله قوله تعالى: (وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَا إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: "أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية على هذا التأويل وإنما أنزلت فينا معشر الأنصار إنا لما أعز الله دينه وكثر ناصريه قال بعضنا لبعضنا سراً من رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أموالنا قد ضاعت فلو أن أقمنا فيها فأصلحنا ما ضاع منها فرد الله علينا ما هممنا به قال فأنزل الله عز وجل: (وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) فكانت التهلكة في الإقامة على أموالنا التي أردنا، فأَمَرَنا بالغزو".
فما صفة طعامهم يومئذ؟ ففي الصحيح عن أنس رضي الله عنه أنهم كانوا يأتون بملء كف من الشعير فيصنع لهم بإهالة سنخة توضع بين يدي القوم، والقوم جياع وهي بشعة في الحلق ولها ريح منتن، ولقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه جوع يفتت الكبد ويدمع العين، قال أنس رضي الله عنه كما في الصحيح: "إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة فجاؤوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا:" هذه كدية عرضت في الخندق "، فقال:" أنا نازل ". ثم قام وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقاً".
وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم مر على المهاجرين والأنصار وهم يحفرون في غداة باردة فلما رأى ما بهم من النصب والجوع، قال: "اللهم إن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة"، فقالوا مجيبين له: "نحن الذين بايعوا محمدا.. على الجهاد ما بقينا أبدا".
وبعد هذا نسأل أولئك المتكلمين عن الدولة الإسلامية بمفهوم سايكس بيكو: كم هي مساحة الدولة النبوية في المدينة؟ ثم كم كانت هذه المساحة أيام الأحزاب، خاصة بعد نقض يهود قريظة العهد؟ وهل كانت الدولة الإسلامية ما زالت باقية؟ ولماذا؟ وهل يمكن أن تكون هذه الصورة هي الحد الأدنى للقوة التي يجب أن تكون عليها الدولة الإسلامية ومساحتها؟
و ما مقدار بسط النفوذ على الأرض في ظل حكم إسلامي باعتبار ما حدث يوم أحد وأيام الأحزاب، حيث لاشيء يمنع النساء والذراري من العدو اليهودي، وبلغ الخوف بالجيش إلى حد أنه لا يريد جندي القيام ولو كان نصيبه الجنة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وما مقدار المنعة والسيادة بعدما فاوض النبي صلى الله عليه وسلم على دفع ثلث ثمار المدينة للمشركين وكانوا لا يحلمون بتمرة بغير ثمن في زمن الشرك؟
والسؤال الآن:
هل الدولة الإسلامية في العراق استوفت شروط الدولة من حيث المساحة والقوة وبسط النفوذ وبالمقارنة بما كانت عليه الدولة النبوية آخذين في الاعتبار ما مرت عليه الدولتان من محن، والفرق الهائل بينهما؟!!
أخي الموحد.. إنني لن أتكلم عن الأنبار وعزها، وكيف أذل الله الكفر ورايته، وأعلى منار الإسلام وعقيدته على أيدي رجال الدولة الإسلامية والعدو مازال يعترف بذلك.
ولن أتكلم عن عرين الإسلام في ديالى ومعاركهم، وكيف وصل بهم العز أن احتفلوا يوماً بالقضاء على آخر سيطرة للمرتدين في عموم بعقوبة.
ولن أتحدث عن الموصل ورجالها، ولا عن فحوى اعتراف مسؤولها المرتد محافظ الحداء إنهم يفقدون السيطرة تماماً على الموصل، وإنه وزمرته محاصرون في منطقة الدواسة، وأن القوة والكلمة للدولة الإسلامية في عموم الموصل.
ولن أتحدث عن بغداد و نواحيها، ولماذا طلب الحكيم أن تكون الكرخ للسنة والرصافة للرافضة، ولماذا أطلق الأمريكان اسم مثلث الموت على الرضوانية و اليوسفية والإسكندرية، فقد كنت أتشرف يومها بمتابعة هذه المنطقة وأعرف كيف كان دخول المنطقة للأمريكان والمرتدين حلماً بعيد المنال.
ولن أتحدث عن كركوك وصلاح الدين ومِنن الله فيهما، وكيف سقطت يوماً صلاح الدين بالكامل في أيدي رجال الدولة الإسلامية باستثناء تكريت.
إنما أتحدث اليوم عن بقعة منسية واحدة من بقاع تلك الدولة الفتية المترامية الأطراف وخاصة قبل أن يتآمر عليها الخائنون المجرمون الكافرون من بني جلدتنا حسداً من عند أنفسهم وكرهاً أن يكون منهج السلف هو الحاكم في أرض الله، سأتحدث عن عرب جبور وما حولها، فقد شرف الله هذه المنطقة بنعمة الجهاد في سبيل الله ومنذ أول يوم لدخول المحتل إلى أن انضوى جميع رجالها المجاهدون تحت لواء الدولة الإسلامية، فبلغ عدد جنودنا في هذه المنطقة وحدها ثلاثة آلاف مجاهد، فأقاموا الحدود وردوا المظالم ونشروا الأمن وأعالوا الفقراء، وذلك بعدما خاضوا حرباً ضروساً ضد المحتل وأعوانه فطهروا الأرض من رجسهم و أخرجوهم منها خزايا خائبين، ولقد منَّ الله عليهم أن حرموا الأرض على آلياتهم، ثم حرموا السماء على طائراتهم فبدؤوا بالمروحيات ثم الطائرات الحربية، وأخيراً منعوا كل أصناف الطائرات من دخولها.
وهنا خرج وعلى الملأ مساعد قائد القوات الأمريكية ليعلنها بصراحة قائلاً: "هذه المنطقة خارج نطاق السيطرة"، فاستدعى قاصفاته الاستراتيجية من أمريكا ودول الخيانة المجاورة التي يتآمر معها المجلس السياسي العميل لقصف عرب جبور، وأعلنوا أنها أرض محروقة محرمة على كل من يدب على الأرض، علماً أن مساحة عرب جبور وما حولها تزيد بكثير عن مساحة المدينة اليوم - لا يوم إعلان الدولة النبوية، والسؤال هل لو كانت الدولة الإسلامية فحسب في عرب جبور ألم تكن دولة حقيقية؟
ونحن اليوم والحمد لله نبشر الأمة أننا وبالرغم من خيانة الإخوان المسلمين بزعامة الحزب الإسلامي، وخيانة السروريين في العراق بزعامة الجيش الإسلامي، ما زلنا نبسط وبحول الله وقوته سيطرتنا على بقاع كثيرة تشبه عرب جبور في ديالى والموصل وكركوك وبغداد و الأنبار.
ونعترف وبمرارة أننا خسرنا كثيراً من الأماكن بعد عمالة وردة الجماعات المشكلة للمجلس السياسي للمقاومة وتحالفه مع المحتل الصليبي، فقد كانوا نعم العيون والعون للمحتل وخاصة أنهم كانوا مختلطين بنا وكنا نراهم إخوة في الدين حتى طعنونا في ظهورنا فحسبنا الله ونعم الوكيل.
وفي الختام أهنيء المسلمين وأهلنا في بلاد الرافدين وخاصة جنود دولة الإسلام بحلول شهر رمضان المبارك، فالحمد الله الذي بلغنا وإياكم هذا الشهر الكريم شهر الجهاد والاستشهاد في سبيل الله.
يا رب يا ذا الفضل من فوق السما... هذا الصيام خالصاً هذا الظما...
وجلادنا الأعداء في ظلم بنا... فاقصم كَفوراً لا يهاب الأعظمَ
وفقكم الله فيه لصالح الأعمال وأفضلها وأزكى الأفعال وأكملها، فكونوا فيه رهبان الليل فرسان النهار، فإن أمة الإسلام ترقب نزالكم وجهادكم في هذا الشهر الكريم، فأثلجوا صدور المؤمنين وأروا الكفار ما كانوا يحذرون ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.
ما رأيك فيها؟
قرّاء كل لغات هذه المقالة يتفاعلون هنا معًا.
عن الكاتب
الدعم
ساهم في الترجمة القادمة
ترجمان مجاني للقراءة بكل لغة ينشر بها، ولا إعلانات فيه. الترجمة وحدها هي ما يكلّف. إن كان هذا النص يستحق وقتك، فبإمكانك أن ترسل شيئًا يعين على النص التالي.
USDT · Tron (TRC20)
TCxC8zmmK9fqDy7B4FbeNs2hXJkfMQ6vjc
أرسل العملة المذكورة هنا فقط، وعلى الشبكة المذكورة هنا. التحويل على شبكة خاطئة لا يمكن استرجاعه.
النقاش
نقاش واحد يجري تحت كل لغات هذه المقالة. من قرأها بـالعربية، ومن قرأها بأي لغة أخرى، كلهم يتحدثون هنا.
تحتاج إلى حساب للمشاركة. يكفي بريد إلكتروني وكلمة مرور، لا أكثر.
لم يقل أحد شيئًا بعد. يمكن أن تكون الأول.