الباب الأول ماهية الدار التي قصدها النبي عليه السلام بالهجرة
صفة الدار التي هاجر إليها الرسول عليه الصلاة والسلام
فما هي صفة الدار التي هاجر رسول صلى الله عليه وسلم إليها وأقام فيها دولة الإسلام الأولى؟
روى الإمام أحمد والشيخان وابن اسحق عن عائشة رضي الله عنها قالت: "لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قدمها وهي أوبأ أرض الله من الحمى، وكان واديها يجري نجلاً ـ يعني ماء آجناً- فأصاب أصحابه منها بلاء وسقم وصرف الله ذلك عن نبيه" .
وفي الموطأ عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال: "لما قدمنا المدينة نالنا وباء من وعكها شديد، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يصلون في سبحتهم قعوداً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" صلاة القاعد مثل نصف صلاة القائم "."
وعن عائشة رضي الله عنها كما في الصحيح، أن بلال لما وَعِكَ كان يقول: "اللهم العن شيبة ابن ربيعة، وعتبة ابن ربيعة، وأمية ابن خلف، كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء" ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهم بارك لنا في صاعنا وفي مدنا، وصححها لنا، وانقل حماها إلى الجُّحفَة" ، قالت: "وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله" ، قالت: "فكان بُطحانُ يجري نجلاً، تعني ماء آجناً" .
قال هشام: وكان وباؤها معروفا في الجاهلية، وكان إذا كان الوادي وبيئا فأشرف عليه إنسان قيل له: انهق كنهيق الحمار، فإذا فعل ذلك لم يضره وباء ذلك الوادي، وقد قال الشاعر حين أشرف على المدينة:
لعمري لئن عشرت من خيفة الردى ... نهيق الحمار إنني لجزوع
وأخرج الإمام مالك رحمه الله في الموطأ عن يحيى بن سعيد أن عائشة قالت: وكان عامر بن فهيرة يقول:
قد رأيتُ الموتَ قَبْلَ ذَوْقِه ... إن الجبانَ حَتْفُهُ من فَوْقِهِ
قال ابن بطال رحمه الله: "فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نزل بأصحابه من الحمى والوباء خشي كراهية البلد لما في النفوس من استثقال ما تكرهه، فدعا الله في رفع الوباء عنهم وأن يحبب إليهم المدينة كحبهم مكة أو أشد" .
فهذه حمى المدينة ضربت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أن عائشة رضي الله عنها تقول عن أبيها وبلال: "فقلت يا رسول الله إنهم ليهذون وما يعقلون من شدة الحمى" ، وأن بعض من هاجر إليها نكص على عقبيه ولم يتحمل وباء المدينة، كما ثبت في الصحيحين واللفظ لمسلم أن نفراً من عُقلٍ ثمانية قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعوه على الإسلام، فاستوخموا الأرض وسقمت أجسادهم، وعند البخاري فاجتبوا المدينة وعند أحمد، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه أنهم أهل ضرع ٍ ولم يكونوا أهل ريف و شكوا حمى المدينة.
وفي الصحيح عن جابر بن عبدالله أن أعرابياً بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام، فأصاب الأعرابي وعك ٌ بالمدينة، فأتى الأعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا رسول الله أقلني بيعتي" ، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
مما سبق يتبين أن الأرض التي اختارها الله لهجرة نبيه وإقامة دينه كانت أرضاً شديدة الوباء آجلة الماء، حتى أن كبار الصحابة كبلال رضي الله عنه استعظم بلاءها ودعا على من كان سبباً في المجيء إليها من الكفار، وهو من هو في تحمل البلاء، ومع ذلك لم يكن هذا الوباء وذلك البلاء أبداً ليجيز لأحد أن يترك دار الهجرة ويرتد على عقبيه كما في قصة العقليين والأعرابي السابقتين.
وبقي الصبر على بلاء المدينة من علامات سعادة المرء حتى بعد موت رسول الله صلى الله عليه سلم، ففي صحيح مسلم: (عن أبي سعيد مولى المهري أنه جاء أبا سعيد الخدري ليالي الحَرَّة فاستشاره في الجلاء من المدينة، وشكا إليه أسعارها وكثرة عياله وأخبره أنه لاصبر له على جهد المدينة و لأوائها، فقال: "ويحك لا آمرك بذلك، أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" لا يصبر أحد على لأوائها فيموت إلا كنت له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة إذا كان مسلماً ") ."
وقد اخرج البخاري والنسائي والإمام مالك بعد هذا الحديث قول الرسول عليه الصلاة والسلام المدينة كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها وأخرج الإمام البخاري في صحيحه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (أمرت بقرية تأكل القرى يقولون يثرب وهي المدينة تنفي الناس كما ينفي الكير الخبث) .
ما رأيك فيها؟
قرّاء كل لغات هذه المقالة يتفاعلون هنا معًا.
عن الكاتب
الدعم
ساهم في الترجمة القادمة
ترجمان مجاني للقراءة بكل لغة ينشر بها، ولا إعلانات فيه. الترجمة وحدها هي ما يكلّف. إن كان هذا النص يستحق وقتك، فبإمكانك أن ترسل شيئًا يعين على النص التالي.
USDT · Tron (TRC20)
TCxC8zmmK9fqDy7B4FbeNs2hXJkfMQ6vjc
أرسل العملة المذكورة هنا فقط، وعلى الشبكة المذكورة هنا. التحويل على شبكة خاطئة لا يمكن استرجاعه.
النقاش
نقاش واحد يجري تحت كل لغات هذه المقالة. من قرأها بـالعربية، ومن قرأها بأي لغة أخرى، كلهم يتحدثون هنا.
تحتاج إلى حساب للمشاركة. يكفي بريد إلكتروني وكلمة مرور، لا أكثر.
لم يقل أحد شيئًا بعد. يمكن أن تكون الأول.