الانتقال إلى المقالة
ترجمان

الدولة النبوية

الحالة الاقتصادية في الدولة النبوية

سجّل الدخول للإبلاغ لا مشاهدات ابدأ النقاش

وأما عن الحالة الاقتصادية للدولة النبوية، فقد كانت تعيش الدولة النبوية الناشئة حالة فقر قاتل لم يستثنِ أحداً صغيراً كان أو كبيراً، ففي الصحيح عن أيوب عن محمد قال: "كنا عند أبي هريرة وعليه ثوبان ممشقان من كتان، فتمخط فقال: بخ بخ، أبو هريرة يتمخط في الكتان؟ لقد رأيتني وإني لأخِرُّ فيما بين منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حجرة عائشة مغشياً علي، فيجئ الجائي فيضع رجله على عنقي ويرى أني مجنون، وما بي من جنون، ما بي إلا الجوع".

فهؤلاء أضياف كرام في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يراهم جميع الصحابة يخرون صرعى من ألم الجوع وقسوته لايملك لهم أحد شيئاً، وإذا قال أبو هريرة رضي الله عنه كما في الصحيح: "كان أخير الناس للمسكين جعفر بن أبي طالب، كان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته، حتى إِنْ كان ليُخرج إلينا العُكَّة التي ليس فيها شيء فنشقها فنلعق ما فيها".

ولك أيها المجاهد المغمور بنعمة الله أن تتصور حالة جوع تستدعي من كريم كجعفر ينقلب بأضياف كرام وليس عنده إلا وعاء جلد به آثار سمن يقطعونه ليلعقوا ما فيه! هذا وقد كان مجيء جعفر إلى المدينة في فتح خيبر، وإسلام أبي هريرة في نفس السنة أي في السنة السابعة من الهجرة النبوية، يعني أن حالة الفقر المؤلمة القاسية هذه كانت تضرب الدولة النبوية بعد سبع سنين من قيامها وبعد ما أنعم الله على المسلمين بغنائم خيبر.

وعن حالة أضياف الإسلام وجوعهم يخبر الصحابي الجليل كيف أنه كان يقعد لكبار القوم يسألهم عن آية من كتاب الله قائلاً: "ما سألته إلا ليشبعني"، حتى دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد لبناً في بيته أُهدي إليه فقال: "يا أبا هر"، قلت: "لبيك يا رسول الله"، قال: "الحق إلى أهل الصفة فادعهم"

وفي هذا رد على من أنكر على إخواننا المجاهدين إعلان قيام دولة العراق الإسلامية قائلين بأن الدولة لا بد وان عليها أن توفر للناس الطعام والشراب والتعليم والطب وجعلوها أركانا من أركان قيام الدولة الإسلامية وبغيرها لا تنعقد الدولة الإسلامية.

فحال المسلمين في زمن الرسول عليه الصلاة والسلام شبيها بحال المسلمين اليوم في دولة العراق الإسلامية بل كان في زمن الرسول عليه الصلاة والسلام أشد مرارة على أفراد الدولة ولكن بالعزم والثبات والتيقن بفرج الله يكون النصر والفرج.

لي "، قال:" وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون إلى أهلٍ ولا إلى مال ولا إلى أحد، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئاً، وإذا أتته هديةٌ أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها، فساءني ذلك فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة؟ كنت أحق أنا أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها، فإذا جاء أمرني، فكنت أنا أعطيهم، وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن؟ ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله بدٌّ، فأتيتهم.. الحديث "."

وهنا تتجلى صورة من صور الإيثار وهو أن يقدم غيره على نفسه في النفع له والدفع عنه، وكذا المسلم يجب أن يكون بين إخوانه في مواطن الشدة والبلاء، فالإيثار على النفس ما وجد إلا ليشد من عضد المسلمين، يقول الله عز وجل (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) ] الحشر:9 [.

وهذا فارس المسلمين زوج بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب يعمل عند يهودي في تمرات يسد بها ألم الجوع، فعند الترمذي قال: "خرجت في يوم شاتٍ من بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أخذت إهاباً معطوباً، فحولت وسطه فأدخلته عنقي وشددت وسطي، فحزمته بخوص النخل وإني لشديد الجوع، ولو كان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم طعام لطعمت منه، فخرجت ألتمس شيئاً فمررت بيهودي في مال له وهو يسقي ببَكَرة له فاطلعت عليه من ثُلمة في الحائط، فقال: مالك يا أعرابي هل لك في كل دلو بتمرة؟ قلت: نعم فافتح الباب حتى أدخل، ففتح فدخلت فأعطاني دلوه فكلما نزعت دلواً أعطاني تمرة حتى إذا امتلأت كفي أرسلت دلوه وقلت حسبي فأكلتها ثم جرعت من الماء فشربت".

أخرجه البخاري وغيره وتكملة الحديث:

فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم وأخذوا مجالسهم من البيت قال النبي عليه السلام يا أبا هر. قلت لبيك يا رسول الله قال (خذ فأعطهم) قال فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى ثم يرد على القدح فأعطيه الرجل فيشرب حتى يروى ثم يرد على القدح فيشرب حتى يروى ثم يرد على القدح حتى انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد روى القوم كلهم فأخذ القدح فوضعه على يده فنظر إلى فتبسم فقال النبي عليه السلام (أبا هر) قلت لبيك يا رسول الله قال (بقيت أنا وأنت) قلت صدقت يا رسول الله. قال (اقعد فاشرب) فقعدت فشربت فقال (اشرب) فشربت فما زال يقول (اشرب) حتى قلت لا والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكا قال (فأرني) فأعطيته القدح فحمد الله وسمى وشرب الفضلة. انتهى

وإليك موقف جوع يشق الكبد ألماً فعن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد رجلاً فقال: "ما تشتهي؟"، قال: "اشتهي خبز بر"، قال النبي صلى الله عليه سلم: "من كان عنده خبز بر فليبعث إلى أخيه" الحديث.

ولكن أن يكون الجوع يفترس الصِّبية فهذا والله شديد فعند أبي داوود عن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه أنه دخل على فاطمة، وحسن وحسين يبكيان فقال: "ما يبكيهما؟"، قالت: "الجوع"، وعند الترمذي عن رافع بن عمرو قال: "كنت أرمي نخل الأنصار فأخذوني فذهبوا بي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:" يا رافع لمَ ترمي نخلهم؟ "، قال قلت:" يا رسول الله الجوع "."

ولم يكن حال لباسهم وما يستر عوراتهم بأحسن من حال طعامهم، ففي الصحيح أن سائلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في ثوب واحد فقال صلى الله عليه وسلم: "أولكلكم ثوبان؟"، ولقد كان هذا الثوب في أحيان كثيرة قصيراً ضيقاً لا يكاد يستر عورة الصحابي في صلاته وفي مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن سهل بن سعد قال: "كان رجال يصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم عاقدي أزرهم على أعناقهم كهيئة الصبيان، ويقال للنساء لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال جلوساً".

قال ابن بطال رحمه الله: "قال الطحاوي: إن الذين كانوا يعقدون أزرهم على أعناقهم لم يكن لهم غيرها والله أعلم، إذ لو كان لهم غيرها للبسوها في الصلاة و ما احتيج أن ينهى النساء عن رفع رؤوسهن حتى يستوي الرجال جلوساً وتختلف أحكامهم في الصلاة، وذلك مخالف لقوله صلى الله عليه وسلم في الإمام:" فلا تختلفوا عليه "ولقوله:" فإذا رفع فارفعوا "، ألا ترى أن عمرو بن سلمة حين كان يصلي بقومه وتنكشف عورته لم تكن له غير تلك الجبة القصيرة فلما اشتريت له جبة سابغة تستره في الصلاة قال:" فما فرحت بشيء فرحي بها "، إنما نهى النساء عن رفع رؤوسهن خشية أن يلمحن شيئاً من عورات الرجال عند الرفع من السجود". اهـ

فهل بعد هذا الفقر من فقر؟ فقد يصبر المرء على ألم الجوع ولكن أن لا يجد ما يستر عورته فهذا مؤلم وقاسٍ، وأن يرى النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام هذه الحالة ولا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً فلاشك أن الأمر شديد، ومما يدمع عين الموحد أن حالة الفقر هذه لم تستثنِ رسول الله صلى الله عليه وسلم خير خلق الله وأكرمهم وأشرفهم، ففي صحيح مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "جئت رسول الله صلى الله"

عليه وسلم يوماً فوجدته جالساً مع أصحابه يحدثهم وقد عصب بطنه بعصابة، قال أسامة: وأنا أشق على حذر فقلت لبعض أصحابه: لم عصب رسول الله صلى الله عليه وسلم بطنه؟ فقالوا: من الجوع "."

وفي رواية: رأى أبو طلحة رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجعاً في المسجد يتقلب ظهراً لبطن فأتى أم سليم فقال: "إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجعاً في المسجد يتقلب ظهراً لبطن وأظنه جائعاً"، قال أنس: "فدخل أبو طلحة على أمي فقال:" هل من شيء؟ "، فقالت:" نعم عندي كِسَرٌ من خبز وتمرات فإذا جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده أشبعناه، وإن جاء آخر معه قَلَّ عنهم ". الحديث."

فتأمل أيها المشتكي من قلة الحال وضيق العيش كيف أن نبيك صلى الله عليه وسلم أصابه جَهد الجوع حتى عُرف ذلك من وجهه، بل و يتقلب ظهراً لبطن من شدة الجوع وفي رهط من الصحابة، يسألهم أنس ما به فيجيبون الجوع، ولا أحد يملك له صلى الله عليه وسلم شيئاً، وحينما وُجِد كان كسيرات من خبز لا تصلح لضيف كريم كرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان صلى الله عليه وسلم يطوي الليالي دون أن يَطعم شيئاً صلوات ربي وسلامه عليه.

فعن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبيت الليالي المتتابعة طاوياً وأهله لا يجدون عشاءً، وكان أكثر خبزهم خبز الشعير، نعم وأهله يا من تتمردن على أزواجكن طلباً للسعة وخاصة المجاهدين في سبيل الله، فهؤلاء نسوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنات الأكرمين يَجهدهم الجوع، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "والذي نفس أبي هريرة بيده ما أشبع رسول الله صلى الله عليه وسلم أهله ثلاثة أياماً تباعاً من خبز حنطة حتى فارق الدنيا"، بل أنه صلى الله عليه وسلم لم يُشبع أهله خبزَ الشعير وبنخالته كما في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير".

ومما يدمي القلب ولا طاقة للنفس بتصوره أن تعرف أن نبيك صلى الله عليه وسلم أرهقه الجوع حتى أضطر إلى أن يجيب دعوة يهودي في طعام قبيح بل ويرهن درعه عنده كي يأخذ شعيراً يصنعه طعاماً لأهله، ففي الصحيح عن أنس رضي الله عنه قال: "مشيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بخبز الشعير وإهالة سَنخَة ولقد رُهن له درع عند يهودي بعشرين صاعاً من طعام أخذه لأهله، ولقد سمعته ذات يوم يقول:" ما أمسى في آل محمد صلى الله عليه وسلم صاع تمر ولا صاع حب "، وإن عنده يومئذ لتسع نسوة".

الإهالة الشحم أو ما أذيب منه والسخنة المتغيرة الريح، فهذا هو حال الرسول صلى الله عليه وسلم فهل يعاب حال بعض أمراء الجهاد في هذا العصر إن كانوا أصحاب فقر حاشا لله أن يكون ذلك.

قال الحافظ في الفتح في سرد قوله صلى الله عليه وسلم "ما أمسى في آل محمد صلى الله عليه وسلم صاع تمر ولا صاع حب": "إنه لم يقله متضجراً ولا شاكياً -معاذ الله من ذلك- وإنما قاله معتذراً عن إجابته دعوة اليهودي ولرهنه عنده درعه". ا هـ

نعم أجابَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم دعوةَ يهوديّ من جوعٍ على خبز شعير وشحمٍ تغيرت رائحته، بل وألجأته الحاجةُ أن يرهن أعظم ما عند المسلم شيئاً من سلاحه، وعند يهودي، والذي في أحسن أحواله أمواله مختلطة حلالٌ بحرام قال الله تعالى: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ)، ولو وَجد رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عند أَحدٍ من المسلمين ما يستقرضه منه حتماً لفعل.

قال الحافظ: "قال العلماء: والحكمة في عُدوله صلى الله عليه وسلم عن معاملة مياسير الصحابة إلى معاملة اليهودي إما لبيان الجواز، أو لأنهم لم يكن عندهم إذ ذاك طعامٌ فاضل عن حاجة غيرهم، أو خشي أنهم لا يأخذون منه ثمناً أو عِوَضاً فلم يرد التضييق عليهم". اهـ

قلتُ: محال أن يرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم سلاحه عند عدوه و إن كان معاهداً إلا لحاجة شديدة لا يمكن دفعها من غير هذا الوجه والله تعالى أعلم، وحسبُك أن تعلم أنه صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح تُوفي ودرعه مرهونةٌ عند يهودي بثلاثين صاعاً من شعير أخذه طعاماً لأهله، وفي رواية: أخذها رزقاً لعياله، وعند أحمد: "ما وجد ما يفتكها حتى مات".

الخلاصة والشاهد في حالة الدولة النبوية

هذه حالةُ الدولة النبوية من أول نشأتها إلى وفاته صلى الله عليه وسلم، جوعٌ أصاب الجميع إلى حدٍّ لا يستطيع لمن لا يعرف الجوع أن يُدرك خطره، ومع ذلك ما سمعنا قط مسلماً ولا حتى منافقاً يطعن في دولته صلى الله عليه وسلم قائلاً أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يجد ما يطعم نفسه وأصحابه، فكيف يحاصر نفسه ويقيم دولة لا تمتلك مقومات الدولة؟ بل أبسط مقومات الدولة، الطعام والشراب!!

ما رأيك فيها؟

قرّاء كل لغات هذه المقالة يتفاعلون هنا معًا.

لا تفاعلات

النقاش

نقاش واحد يجري تحت كل لغات هذه المقالة. من قرأها بـالعربية، ومن قرأها بأي لغة أخرى، كلهم يتحدثون هنا.

تحتاج إلى حساب للمشاركة. يكفي بريد إلكتروني وكلمة مرور، لا أكثر.

لم يقل أحد شيئًا بعد. يمكن أن تكون الأول.

الدعم

ساهم في الترجمة القادمة

ترجمان مجاني للقراءة بكل لغة ينشر بها، ولا إعلانات فيه. الترجمة وحدها هي ما يكلّف. إن كان هذا النص يستحق وقتك، فبإمكانك أن ترسل شيئًا يعين على النص التالي.

رمز الاستجابة السريعة لعنوان USDT على شبكة Tron (TRC20)

USDT · Tron (TRC20)

TCxC8zmmK9fqDy7B4FbeNs2hXJkfMQ6vjc

أرسل العملة المذكورة هنا فقط، وعلى الشبكة المذكورة هنا. التحويل على شبكة خاطئة لا يمكن استرجاعه.

اقرأ بعد ذلك