Hali bu tilga tarjima qilinmagan العربية
المجلس الرابع والخمسون
الحلقة الرابعة والخمسون
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمدُ للهِ الذي لم يزل عليمًا حكيمًا، وصلّى الله وسلّم وبارك على محمدٍ الذي أرسله ربُّه إلى الناس بشيرًا ونذيرًا، وعلى آلِ محمدٍ وصحبِه، وسلّم تسليمًا كثيرًا.
..........
أمّا بعد؛ فهذا مجلسٌ جديدٌ، أيّها الإخوة، من مجالس العروة الوثقى، نسألُ اللهَ عزّ وجلّ، وهو وليُّ الإسلام وأهلِه، أن يُمسكنا بالإسلام حتى نلقاه به.
لا نزال نتحدّث عن صفة الكفر بالطاغوت، ونسأل اللهَ عزّ وجلّ أن يجعلنا ممّن عبدَه وحده بلا شريك، وكفر بالطاغوت كلِّه.
كنّا قد وقفنا في اللقاء الماضي، أيّها الإخوة، عند قضيّة أنّ البراءة من الطاغوت فيها
📌أوّلًا العداوة في الباطن والظاهر، وقلنا: ضابطُ ذلك ـ حتى لا يخلط أحدٌ هذا ـ ويقول أن الذي لا يُعادي الطاغوت هذا من أهل الفترة فنكفّره، لا؛ قد لا يَقدر على إظهار العداوة، لكنّ القلب هو الأساس، فإن لم يُبغض الطاغوت بقلبه، أو رآه جائزًا ـ كما سيأتي بعد ذلك ـ فهذا ناقض. نسأل اللهَ عزّ وجلّ العظيم.
فهمتَ؟ لكنّ الظاهر قد يعجز عن إظهاره، فيُقال: هل يستطيع أن يُظهر؟ فإن لم يقدر، فهذه مسألةٌ أخرى، وهكذا.
📌الأمر الثاني: البغض الذي قلنا إنّ أصله في القلب، وقلنا إنّ أحكام التكفير أحكامٌ شرعيّة تأتي بعد الرسالة، فاسم التكفير يأتي بعد الرسالة، لأنّه حكمٌ شرعيّ، كما سنبيّن إن شاء الله عزّ وجلّ.
فنحن قد أخذنا الأصول، وبعد ذلك تأتي الفروع التي تتفرّع على أصل الدين، ونتحدّث عنها إن شاء الله عزّ وجلّ.
📌الأمر الثالث، وهو مهمّ أيضًا: الدوام على ذلك ما دام مشركًا يعبد الطاغوت، فلا يتغيّر ذلك، أيّها الإخوة، وانتبه لهذا.
﴿قَدْ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا﴾.
أبدًا، أبدًا، دائمًا، لا يمكن أن يُمحى الفاصل الذي بيني وبينك إلّا أن تدخل في التوحيد وتترك التنديد، فقط. دون ذلك تبقى العداوة والبغضاء بيني وبينك أبدًا.
فهل إذا حصلت ثورةٌ ما يمكن أن يتغيّر الأمر ويُقال: الواقع تغيّر؟ أريدك أن تكشف بنفسك عن زيف الفتاوى؛ لأنّها كانت في الحقيقة مجرّد لعب، لا أحكامًا شرعيّة، وهذا ليس ما علّمنا إيّاه مشايخُنا أوّلًا، إذ لم تكن هناك كلمةٌ إلّا بدليلها. أمّا اليوم فيُقال: نفعل كذا.
لماذا لم تقل لنا سابقًا إنّ هذا كفر؟ فيُقال: الواقع تغيّر. فهل تغيّر الكفر أيضا؟ هو كفرٌ كفرٌ، ولا يزال كفرًا. فهل هُبَل يتحوّل؟ هو هُبَل نفسه.
لكنّ الواقع تغيّر! إذًا لم يُنتبه إلى لفظ: ﴿أَبَدًا﴾، مهما تغيّرت الظروف. فالكفر بالطاغوت عقيدةٌ فطريّة ثابتة، لا بدّ أن يأتي المرء بها.
وهذا ـ كما قلنا في اللقاء الماضي ـ شيء، وأن نقوم له ببعض الإقساط والبرّ على ضوء عهدٍ وعقدٍ شيءٌ آخر.
والله، حتّى في أثناء الحرب، تجد قوّةَ شرع الله عزّ وجلّ في الحرب نفسها؛ فمع القتال يُقال: لا تُقتل النساء، ولا الأطفال، والحدود ضيّقة جدًّا. وانتبه: الرجل الذي يعبد ربّه وحده، ولو كان راهبًا، فالحدود ما زالت قائمة. وكذلك من لا يحارب، له حكمه.
وهذا كلّه لا ينفي العداوة والبغضاء؛ فأنا أبغضك لأنّك لا تزال على هذا الكفر، لكنّ هذه الأمور لا تفيد حبًّا ولا موالاة، كما سيأتي إن شاء الله عزّ وجلّ في تفسير الموالاة، حين نتكلّم عن الموالاة والمعاداة، فهي قاعدةٌ من قواعد التوحيد يدور عليها الدين.
فهذا لا ينقض ذاك؛ فالبرّ والإقساط بعقد شيء، والعقيدة شيء آخر. فمن لم يفرّق بين العقد والعقيدة ضلّ الطريق.
ويدخل في البراءة أيضًا، أيّها الإخوة، التبرّؤ من الطاغوت وأهله، ومن ذلك ترك طاعته، ورؤية بطلانه، واعتقاد ذلك، كما مضى.
📌وهنا مسألة: من حكم على الطاغوت بأنّه كفر، أو أبغضه وتبرّأ منه، ولم يتّبعه، لكنّه يحكم على الحاكم بالطاغوت بأنّه معذور بطاعته، فهذه مسألة، وانتبه لها، وسيأتي تفصيلها بعد شرح العلمانيّة والديمقراطيّة.
لكن أريد أن أبلّغك هذه المسألة الآن؛ لأنّ الأعمار بيد الله عزّ وجلّ، والإنسان لا يدري متى أجله.
فأقول لك: إذا كفرتَ بالطاغوت وتبرّأتَ منه، ثم جاءت مسألة: رجل بدّل شرع الله عزّ وجلّ، أو فعل فعلًا من النواقض وهو يحكم المسلمين، فما حكمه؟
فيخرج من يقول: لا، والله، لعلّه يُعذر بالجهل…
2️⃣
نحن نفعل أمرًا كما قلنا في النقاط السابقة؛ دخلت عليهم الإرجاء والفلسفة ونحو ذلك، فبدأ يعذر بالجهل في الشرك الأكبر، ونحن قد قلنا إنّ المسألة فيها إجماع، فانتبه ولا تنسَ: لا عذرَ إلا بالإكراه فقط، والعذر بالإكراه مجمعٌ عليه، وعدم العذر بغيره مجمعٌ عليه أيضًا.
ولهذا نبهتك، وقلت لك: الوسائل الوفاقيّة اجماعيّة، لكن دخلت بها البدع، أهلُ البدع، ودخلت بدع الإرجاء والجهميّة، وما هو أكثر من ذلك؛ فالمرجئة لا يقولون عن المشرك: مسلم، وما هو أكثر من ذلك بدع الحلوليّة والاتحاديّة والإباحيّة، كما سنبيّن لك إن شاء الله عقيدة هذه الفرق.
والشاهد، أيّها الإخوة، أنّه لو أنّ هذا الرجل الذي يحكم قال لي: والله أنا أعذره بالجهل، فأقول له: تعال، أنت جاهلٌ ضالّ، وسأفهمك، أنّه لا عذر بالجهل في مثل هذا، طالما وقع في الصريح من الكفر البواح.
لكنّي لم أكفّره بعد، فأقول له: أنت مسلم كما أنت، لكن وُصفتَ بالجهل والضلال.
فإن قال لي بعد ذلك: يجب الحكم عليه، والسمع والطاعة، فأقول له: هذا ليس وقت السمع والطاعة، لأنّك تقول إنّه يُعذر بالجهل، فهو عندك مسلم. فإذا كان مسلمًا عندك، قال لك: إذًا نسمع له ونطيعه.
فأقول له: هذا ضلال؛ لأنّك إذا قلتَ لواحدٍ له السمع والطاعة، فقد ناقضتَ أصل الدين.
ولهذا أقول لك: اعرف المسائل التي تدخل في أصل الدين، والتي لا تدخل في أصل الدين، لأنّ الوصف الخارجي للمسلم لا يزال كما هو،
#كما_ذكر_القاضي_عياض رحمه الله، أنّ إسلامه قد ثبت قطعًا بالشهادتين؛ فإذا شهد أن لا إله إلا الله قطعنا بإسلامه وانتهينا. قال: فلا يرتفع ذلك ولا يتغيّر إلا بناقض. فهاتِ دليلا قويًّا ينقض «لا إله إلا الله».
فإذا نُقضت «لا إله إلا الله»، حينها يُرفع القاطع.
أمّا إذا قلنا له: أنت مسلم، لكنك جاهل ضال، فنفهمه، فهذا شيء.
لكن إذا قال بعد ذلك: عليك بالسمع والطاعة، مثل الجماعة التي سنفصّل الكلام عنها إن شاء الله، وهم الإيمانيّة، كما ذكرهم ابن تيمية رحمه الله، وسآتيك بآثار كلام ابن تيمية، حيث يقول: لو منع الإمام الجمعة تُمنع، ولو أباح أشياء أُبيحت، وهذا عندهم غلوّ في الخلفاء.
وهؤلاء عندهم غلوّ في الكافرين، لا في خلفاء مسلمين، فانتبه. فنقول له: أنت بهذا كفرت.
فيقول: إنّ الحجاج بن يوسف كان الناس يكفّرونه، وكان في العلماء من لا يكفّره. فنقول له: الذين لم يكفّروه لم يقولوا السمع والطاعة له على هذا الوجه.
والأسباب في ذلك كثيرة: منها أنّ سبب تكفيره لم يكن واضحًا صريحًا، ولذلك اختلف العلماء في النظر في تكفير الحجاج.
والسبب الثاني: أنّ الحجاج كان يحكم بالإسلام، وانتبه لهذه النقطة جيدًا.
وسنعود إلى هذا الكلام عند الحديث عن الديمقراطيّة، لكن أقول لك الآن: الحجاج كان يحكم بالإسلام، والدولة كانت دائرة على الإسلام، عبد الملك بن مروان والوليد وأبناؤهم كانوا يحكمون بالإسلام، فالدولة كانت تدور على الإسلام، فالحاكم إذا كفر يكفر وحده، يكفر وحده، يكفر وحده.
ومثال ذلك: إذا جئت إلى الدولة العثمانيّة، تجد بعض المؤرخين يذكر أنّه وُجد فيها حلوليّة اتحاديّة من بعض كبار رجال الدولة، يقولون إنّ الله عين الخلق.
لكن مع ذلك كان النظام الحاكم إسلاميًّا، قبل عبد الحميد الأوّل، وقبل محمود الثاني، وقبل أن يبدأ التغيير والتبديل لحكم الله عزّ وجلّ، كما سنتكلّم عنه إن شاء الله.
فالخلاصة: قد يكون بعض الحاكم كافرًا، لكن الدولة ما زالت تحكم بالإسلام، فلا أسمع له وأطيعه لذاته، وإنّما الأوامر التي تنزل عليّ أوامر إسلاميّة.
فهمتم هذه النقطة؟
أنا قد لا أقدر على خلعه، والمفروض أن أخلعه، لكن إن لم أقدر، فلا أقدر، لكنّي لا أطيعه في غير شرع الله.
أمّا حاكم اليوم، فهو يحكم بالديمقراطيّة، والنظام الذي تدور به البلاد هو النظام الديمقراطي، الذي يقول: عندي حاكم وتحته وزارات، وهذا هو النظام الذي يمسك البلد ويحكمها.
يحكمها بماذا؟
بإرادة الأغلبيّة، وبالقوانين التي يضعها مجلس الشعب ومجلس الشورى، وهي قوانين لا تعتبر الدين أصلًا.
3️⃣
فإذا قال لك: "اسمع وأطع"، فلا سمع ولا طاعة؛ فكما لا تجوز طاعة محمد علي، أو عباس، أو توفيق، أو فاروق، فكذلك لا تجوز لعبد الناصر، ولا لنجيب، ولا لمبارك، ولا لطنطاوي، ولا لمرسي.
أتقول له "اسمع وأطع" للديمقراطية؟ إذن، فقد نقضت إسلامك يا فندم. انتبه لهذه المسألة جيدًا؛ ليعرف الناس مَن هم هؤلاء الذين سنفسر كلامهم وتاريخهم.
↩️هم "المداخلة والرسلانية"، ستسمع وترى هذا الكلام الذي قالوه في مواقعهم، وانتبه لهذه المفارقة: أنت هنا تقول له "اسمع وأطع" والدولة تُدار بنظام علماني، وأنت نفسك قررت أن الديمقراطية كفر، لكن هذا الرجل جاهل ، أليس فلاسفة زماننا يقولون بذلك، "مرجئة زماننا"، و"الجهمية" الذين يقولون: "هذا الرجل جاهل لا يعرف، ونحن لن نكفره". طيب، أهلًا وسهلًا؛ سيقول لك: "عليك له السمع والطاعة". لا يا فندم، هو ليس جاهلًا يحكم بالإسلام، بل هو جاهل يحكم بغيره.
والقضية ليست كفرًا في شخصه، بل في النظام الحاكم الذي تأمرني بالسمع والطاعة له؛ فمن هو صاحب السمع والطاعة؟ ليست الطاعة لشخص بمفرده، إنما الطاعة للدستور، وهذا الدستور وضعه بشر. فمن أمر الناس بالسمع والطاعة هنا فقد نقض "لا إله إلا الله"؛ لأنه أقرَّ الطاغوت، على ضوء ما درستَ في "أصل الدين". فانتبه لهذه المسألة جيدًا.
📌لدينا مسألة أخرى: إن من مقتضيات البراءة من الطاغوت وتركه، عدم تجويز طاعته، ولو لم يطعه الشخص بنفسه.
فهناك من يقول لك: "الديمقراطية كفر ولا يمكن أن أقبلها"، حسنا، وماذا لو فعلها غيرك؟ يقول: "معذور، لديه تأويل، وللرجل وجهة نظر". المشكلة ليست في كون الرجل له وجهة نظر، بل المشكلة فيك أنت؛ لأنك بقولك هذا تُجوِّز الحكم بغير ما أنزل الله.
وأوضح لك الأمر بمثال من قضية الصنم: "يا جماعة، لا يجوز لأحد أن يسجد لصنم أبدًا، وأنا أبغض مَن يفعل ذلك وأتبرأ منه، ولكن.. ربما لفلان وجهة نظر!"؛ فماذا فعل هذا القائل؟ هو لم يعذره فحسب، بل جوَّز ترك العبادة، وجوَّز التشريع من دون الله.
لذلك، حين يُفتى ويُقال: "بما أن الظروف صعبة، فاذهبوا وافعلوا هذا الكفر"، فاعلم أنه لا إذن بالكفر إلا بالإكراه. وقد ذكرنا إجماع ابن تيمية وابن القيم وغيرهما؛ حيث قالوا إن الأمة مجمعة على أنه لا يجوز لأحد أن يبيح الكفر لأحد إلا للمُكرَه.
#وقال_ابن_تيمية_رحمه الله: "فإن من قال الكفر أو فعل الكفر من غير إكراه فقد شرح به صدرًا". انتهى الأمر إذن؛ هي مسألة "تلازم" كما ذكرنا سابقًا.
انتبه لهذا جيدًا، وقد ذكرنا كلام ابن القيم في "إعلام الموقعين" حين قال: "فمن رأى أنه مع النبي ﷺ كالخضر مع موسى" -وأنا أعيد لك النص لتنتبه وتحفظه وتراجعه في الحلقة- "يا إخوة، هذا أصل الدين". فقال: "فمن رأى أنه مع النبي ﷺ كالخضر مع موسى، أو جوَّز ذلك لأحد من الأمة" -أي جوَّز له ترك الشريعة قليلًا- "فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه وخرج منه بالكلية".
وقال ذلك في العلم اللدني في أول هذه الفتوى إن هذا يوجب إراقة الدم؛ لأنك خرجت من الإسلام.
فانتبه لهذه المسألة.
📌والأمر الثالث: أن البراءة من الطاغوت تقتضي ترك التشبه به، ولو لم يعتقد المرء محبته أو مولاته على هذا الكفر.
طبعًا ترك التشبه العام قد لا نقول إنه من "أصل الدين"، لكن هناك تشبه يدخل في "الطاغوت" فيكون من أصل الدين، وهو ما سأشرحه لك لاحقًا في قضية الديمقراطية.
سأضرب لك مثالًا قديمًا قبل شرح العلمانية والديمقراطية: إن عمرو بن لحي حين جلب "هبل" والتشريعات كـ"البحيرة والحام" من الشام، قال لقومه: "سنفعل هذا لنعظم الله يا جماعة"، فوافقوه، فغير بذلك ملة إبراهيم عليه السلام.
لقد تشبه بهم في الكفر، فدخل في نقض أصل الدين. وسأبين لك أن من التشبه بهؤلاء في إدارة البلاد مثلهم وهذا من "المظاهرة"، الديموقراطية النجسة، فانتبه لهذا.
4️⃣
◇ أما البغض والعداوة للمشركين، فإن الرد عليها في الإسلام يكون باليد واللسان؛ لذا وجب على أهل العلم الكلام والكتابة والتصنيف لبيان أن هذا هو "أصل الدين"،.
فاحذروا يا إخوة، أصل الدين لم يَعُد ذلك غريبًا على الناس إلا بعد أن سُكِتَ عنه؛ وتدري لِمَ سُكِتَ عنه؟ لأن الطاغوت أراد أن تكون الدعوة على وجهٍ واحد، وبالصورة التي يرتضيها هو.
وقد رأيتَ في الآونة الأخيرة ما كان يحدث، أمّا الآن فقد صار الكلام ممكنًا؛ لأن الصورة والحال كما تَرى. لكن قبل ذلك، كنّا إذا تكلّمنا عن الجهاد أُخذ المتكلم من ساعته؛ ولماذا يتكلمون عن الجهاد؟ وما الجهاد؟ تكلّم عن الحكم بما أنزل الله.
ففي الفترة التي سبقتها بقليل، كنت إذا تكلّمت عن الحكم بما أنزل الله سُجنت، ونحن نعرف مَن سُجن عشر سنوات بسبب خطبةٍ واحدة تناول فيها الحكم بغير ما أنزل الله، ووجوب أن يحكم الإنسان بما أنزل الله، وأن مَن حكم بغير ما أنزل الله فقد كفر وبدّل الشريعة؛ فأخذوه وسجنوه فورًا.
حسنا، فما الحل؟ الحل سأبينه لك إن شاء الله لاحقًا في قضايا... حين نتكلم عن قضية الجهاد، إن شاء الله عز وجل. لكن الذي أريد أن أقوله لك الآن باختصار —وسنكتبه إن شاء الله حين تأتي قضية الجهاد— أنهم بدأوا يضعون الدعوة في الإطار الذي يريدونه هم.
#ولذلك فإن الغلام -رضي الله عنه- غلام الساحر، حين قال له الملك: "أي بني، ما الذي أراه؟" -وقد أخذ أصحابه فقتلهم- ثم سأله: "ما هذا الذي أراه؟ أراك تمشي وتبرئ المرضى وكذا"، فقال الغلام: "ما أنا إلا أن يشفي الله عز وجل"، فقال له الملك: "هلا بقيتَ معي؟"، فقال: "لا"؛ فلا يمكن أن يتنازل عن أصل الدين أبدًا.
ونحن حين نتكلم إن شاء الله عن أهل العلم، ونذكر بعض نماذجهم ومناهضتهم للانحراف والتغيير، سترى كيف وقفوا وضحّوا بأنفسهم. وكما قلت لك في اللقاء الماضي: خَمسمائة عالم وقفوا أمام الدولة "العبيدية الفاطمية" حين قيل لهم:
"ستصدرون القول بسب الصحابة أو تُقتلون"، فقالوا: "نُقتل؛ أمّا هذا القول وأنا حيّ فلا يكون".
ويحكون عن جَدّهم أبي بكر رضي الله عنه حين قال: "أينقص الدين وأنا حي؟"، وكذلك عمر رضي الله عنه، كما سأذكر لك إن شاء الله عز وجل.
فإذن، إن من العداوة والبغضاء التي تُراعى في الدين —مع أننا نتكلم عن أصل الدين، لكن دعني أسير بفروع تأتي تبعًا له— أن تكون باليد، وأن يكون التغيير؛ ففضح هذا الطاغوت، والكلام عنه، والسعي لتغييره، يكون باللسان ويكون باليد.
فالكلام عن الطاغوت، وشرح أصل الدين، وتعريف الناس بهذا الأمر، ووجوب زوال هذه الحكومات لا تثبيتها ولا السكوت عنها —إذا قُدّر أن تزول وأن نُزيلها— هو الأصل.
#فقد_قال_الحافظ^ابن حجر رحمه الله: "الحاكم إذا كفر كفرًا بواحًا انعزل، ووجبت إزالته، فإن لم يكن ذلك إلا لطائفة من الناس تعيّن عليهم، وذلك باتفاق المسلمين"؛ فلا بد إذن أن يزول.
فيكون العمل على إزالته بالتوعية والكلام والدعوة، وكذلك بالقتال؛ إذ لا بد أن تزول هذه الحكومات. وهذا هو المطلب الأول، نعم هو المطلب الأول؛ لأن قتال هؤلاء هو من "جهاد الدفع".
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ﴾، وهؤلاء هم الذين يلوننا؛ فيجب علينا قتالهم، ويجب علينا عزلهم. فإن لم نستطع، فكما قال ابن تيمية رحمه الله: "فإن لم تستطع، فإذا سقط الجهاد الواجب لعذرٍ شرعي لم يسقط الإعداد؛ فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب". فلا بد من الإعداد لهذا، وإزالة هذه الحكومات ولو بعد حين، ولو طال الزمان.
#وقال_الإمام_أحمد في قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾، قال: "أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك".
فأخذ سليمان بن سحمان —من أئمة الدعوة النجدية— هذه الكلمة وقال قولًا عجيبًا للغاية: "فلو تقاتلت الحاضرة والبادية حتى أفنى بعضهم بعضًا، وحتى لم يخرج من المعركة أحد، كلهم ماتوا من الحاضرة ومن البادية —لو تصوّرنا وقوع ذلك— لكان خيرًا من أن يُنصَّب طاغوتٌ يحكمهم بغير ما أنزل الله".
↩️هؤلاء هم مَن فهموا أصل دين الإسلام، أمّا من لم يفهمه فيقول لك: "قِف في الطابور، وهذا أفضل من قيام الليل بذكر الله، وهذا أفضل ذكر!"؛ وهو لا يفهم ولا يعرف، فيفوّض للدستور ويغضب إن لم يحصل إجماع؛ لأن هذا الدستور —انتبه لهذه المسائل— فالبغض فيه يقتضي الردّ بالسنان في القتال والإزالة، والردّ أيضًا باللسان، بالدعوة إلى الله عز وجل، وبالكتابة، وتوعية الناس، والجهر بالحق أمامهم؛
كما كان أهل العلم يدخلون على هؤلاء السلاطين، يضحّي أحدهم بنفسه، ويلبس كفنه ويدخل عليه فيقول له: "هذا كفر وردّة ما أنت فيه"؛ كما صنع أبو بكر النابلسي رحمه الله، وقد أشرتُ إلى أن أقصّ عليكم هذه القصة.
:
5️⃣
كان أبو بكر النابلسي -رحمه الله- مِمَّن عُرف في عصره بعلمه وفضله، فكان إذا ذُكر اسمه قيل: "أبو بكر الشهيد"، وتفيض الأعين بالبكاء عند ذكره.
وذلك أنه خرج يومًا وتحدث في مجلس عام، فقال مقولته الشهيرة: "لو كان معي عشرة أسهم، لرميتُ واحدًا في الروم، وسدّدتُ تسعةً في العبيدية". فبلغ قوله هذا "الدولة العبيدية"، فسارع وُشاتهم بنقل الخبر إلى الحاكم، فأُحضِر الإمام على الفور، وقيل له: "ماذا قلت؟ أأنت القائل إنك لو مَلَكتَ عشرة أسهم لرميتَ واحدًا في العبيدية وتسعةً في الروم؟".فقال :لا.
وقيل في نفسه لعلَّ الرجل يرجع عن قوله، لا سيما وهو إمام كبير يُقتدى به، فلو تراجع لوجدوا له مخرجًا، ولكنه ثار للحق وأبى المداهنة، فالعلماء لايترخصون في الفتن، فسألوه: "فكيف قلت إذن؟"، فأجاب بكل صدق وعزة: "قلتُ: لو كان معي عشرة أسهم لرميتُ تسعةً في العبيدية، ورميتُ العاشر فيكم؛ لأنكم غيّرتم الملة وبدّلتم الشريعة".
فكان ما كان من أمره؛ حيث قُتل -رحمه الله- ظلمًا وعدوانًا بصورة مفجعة، إذ صَدَر الأمر بـ سلخه حيًا. ووُكِّل به يهوديٌّ ليقوم بسلخه بدءًا من رأسه، وبينما كان السلخ يبلغ صدره، كان الإمام يلهج بذكر الله ويتلو القرآن، حتى قرأ قوله تعالى: {كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا}، فرقَّ له قلب اليهودي الذي يسلخه، فطعنه في قلبه طعنةً أزهقت روحه ليُنهي معاناته، فمات صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر، فغدا مثالًا خالدًا في الثبات على الحق.
وهكذا يتضح الفرق الجليُّ بين الكفر الأصلي والردة؛ فإن الردة أشد وأغلظ؛ لما تنطوي عليه من تبديل الدين بعد معرفته والانتساب إليه.
وهذا كله يندرج تحت بيان "أصل الدين"، وفضح التبديل والانحراف؛ تماشيًا مع ما ذكره الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- في شرح حديث النبي ﷺ: «إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله وحده لا شريك له»، وفي رواية: «توحيد الله». وقد علّق في فوائد الحديث قائلًا:
"إن أصل التوحيد قد يخفى على بعض مَن اشتُهر بالعلم في الفقه أو غيره، فإذا ما طُرِق أصل الدين لم يُحسنه، فاحتاج إلى تعلمه من جديد".
#وقال_شيخ^الإسلام_ابن_تيمية -رحمه الله-: "العلماء الذين لا يعرفون حقيقة الإسلام هم عندي من العامة"؛ ولا يرمي بذلك إلى انتقاص علمهم بالمسائل، وإنما يقصد مَن يتفقه في الفروع وهو يجهل حقيقة التوحيد وأصل الإسلام.
فهذه إطلالة موجزة على مسألة "الكفر بالطاغوت" من زاوية البراءة منه، ومن المنطلق الفطري الذي تنبثق عنه الفطرة السليمة. ونحن لم نتطرق هنا إلى أحكام التكفير التفصيلية، وإنما كان حديثنا متمحورًا حول البراءة والإنكار.
وسيتبع ذلك —إن شاء الله— الحديث عن صور الانحراف المعاصرة، ومنها "الديمقراطية"، على ألا نُبدأ بها مباشرة، بل نمرُّ أولًا باستعراض تاريخ تبديل الشريعة قديمًا، وصولًا إلى هذه الصورة التي نعيشها اليوم، وذلك في لقائنا القادم بحول الله.
أسأل الله عز وجل أن يجعلني وإياكم ممن إذا دُعي بادر، وإذا نُهي انتهى، وعقل مثواه فهدى لنفسه.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
Bu sizga qanday tuyuldi?
Bu maqolani qaysi tilda oʻqimasin, oʻquvchilar shu yerda birga fikr bildiradi.
Muallif haqida
Şeyx Samir Mustafa - Misr Islom vaʼzchisi Abu Abd al-Rahman Samir ibn Mustafa al-Suyuti. U 1976-yilda Asyut guberniyasida tug'ilgan va ko'p umrini Qahiro guberniyasidagi Helwan shahrida o'sgan. Ta'lim va bilim orttirish Diniy tadqiqot: U yoshligidan diniy bilim orttirishga bag'ishlangan va Misrdagi bir qator yetakchi sheikhlar va olimlarning qo'lida o'qigan. Uning eng taniqli o'qituvchilari: U Sheik Hasan Abu al-Ashbal al-Zuhayri, Sheik Abu Ishaq al-Huwayni va Sheik Muhammad Abd al-Maqsud tomonidan o'qigan va u Sheik Muhammad Xossein Yaqubning yaqin va doimiy hamkori edi. Va'z qilish va ilmiy faoliyat Xudusi va ma'ruzalar: U yoshlarga to'g'ridan-to'g'ri gapiradigan hayajonlantiruvchi nutq usuli bilan tanilgan va u Qahiro va Giza masjidlarida va boshqa bir nechta Misr gubernatorliklarida yuzlab xudusi va darslarni bergan. O'qituvchilarning qiziqishlari: U va'zida ishonchli e'tiqodni rivojlantirishga, payg'ambarning hayoti va islom tarixi haqida o'rgatishga hamda ruhni tarbiyalashga qaratilgan. Katta seriyalar va yozuvlar: U ko'plab taniqli yozilgan seriyalar va darslarni ishlab chiqardi, ulardan eng muhimi "Islomning buyuk janglari", "Qisqa suralarga sharh" va "Payg'ambarlarning hikoyalari" seriyali. Qamoq: 2017-yilda Umra marosimini o'tkazish uchun sayohatga ketayotganida hibsga olinganidan so'ng, uning ommaviy va'z qilish faoliyati to'xtadi.
Qoʻllab-quvvatlash
Keyingi tarjimaga hissa qoʻshing
Turjuman oʻzi chop etadigan har bir tilda bepul oʻqiladi va reklama olmaydi. Pul ketadigan joyi — tarjima. Agar bu asar vaqtingizga arzigan boʻlsa, keyingisi uchun biror narsa yuborishingiz mumkin.
USDT · Tron (TRC20)
TCxC8zmmK9fqDy7B4FbeNs2hXJkfMQ6vjc
Faqat shu yerda nomi aytilgan tangani, faqat shu yerda nomi aytilgan tarmoq orqali yuboring. Notoʻgʻri tarmoq orqali yuborilgan pulni hech kim qaytara olmaydi.
Muhokama
Bu maqolaning barcha tillari ostida bitta suhbat boradi. Uni Oʻzbekcha tilida oʻqiganlar ham, boshqa istalgan tilda oʻqiganlar ham shu yerda gaplashadi.
Qoʻshilish uchun hisob kerak. Bitta e-pochta manzili va bitta parol, boshqa hech narsa.
Hali hech kim hech narsa aytmadi. Birinchi boʻlishingiz mumkin.