Zum Artikel sprangen
Turjum n

Ervirgehuewe Sproochen hunn dësen Artikel; déi aner féieren op d’Startsäit vun där Sprooch.

Nach net an dës Sprooch iwwersat العربية

The Firmest Handhold

المجلس السادس والتسعون

Umellen fir ze mellen Och an enger Sprooch 42 Opruffer D’Gespréich ufänken

الحلقة السادسة والتسعون

1️⃣

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله الذي لم يزل عليمًا حكيمًا، وصلى الله وسلم وبارك على محمد الذي أرسله ربه إلى الناس بشيرًا ونذيرًا، وعلى آل محمد وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

••┈┈┈┈┈┈┈┈┈┈┈••

أما بعد،

فهذا مجلس جديد، أيها الإخوة، من مجالس العروة الوثقى، أسأل الله عز وجل، وهو ولي الإسلام وأهله، أن يمسكنا بالإسلام حتى نلقاه به.

▬ انتهينا بحمد الله عز وجل، أيها الإخوة، من رد هذه الشبهات التي للمجادلين، وطبعًا كنا قد قسمنا المجادلين إلى ثلاثة أصناف:

● المجادلين عن سبيل الشرك.

● والمجادلين عن الشرك نفسه، نسأل الله العافية.

● والمجادلين عن المشركين أو فاعلي الشرك.

↻ أما المجادلون عن سبيل الشرك والمجادلون عن الشرك، فقد انتهينا منهما بحمد الله عز وجل، وبقي الكلام عن المجادلين عن المشركين أنفسهم.

⇐ وهؤلاء، أيها الإخوة، بدأوا يقولون: والله، نحن الآن نرى أن هذا شرك فعلًا، كالديمقراطية والتشريع من دون الله عز وجل، وإلزام الناس بقوانين عامة، والكلام هذا كله كفر مخرج من الملة؛ لأن هذا عمل الإله، عمل الله عز وجل، فهو يريد أن يقول: أنا إله مع الله.

فالذي حصل أنه قال: لا، والله، هذا شرك، وأنا ليس عندي مانع إطلاقًا!

قلنا له: طيب، فعل الشرك هذا إذن، ما خبره؟

طبعًا أنا أتكلم عن الديمقراطية؛ لأنها أصل الحادثة الواقعة اليوم، لكن كل شرك أكبر بعد ذلك، كالقبور مثلًا، حيث يأتي أحدهم ويقول عن القبور كذا وكذا، ويقول للقبر: يا بدوي، نجّح لي الولد، وأدخلني الجنة، واغفر ذنوبي!

فيقال له: يا رجل، ما الذي تقول؟!

فيقول: هذا شرك!

فنقول له: هذا كفر، خلاص.

فالرجل يقول: ها هو يا بدوي، يكلم البدوي!

فيقال له: آه، خلاص، ليس هناك مانع.

طيب، أنت، هذا الرجل، ما حكمه؟

يقولون: لا يزال مسلمًا!

كيف يكون هذا؟ يعمل شركًا وتقول لي إنه لا يزال مسلمًا؟

لأنه يقول: لا بد أن أكشف عن عوارض الأهلية أولًا، لا بد أن أرى: أهو جاهل أم عالم؟ لا بد أن أرى: أهو متأول أم غير متأول؟ لا بد أن أرى: أهو اجتهد فأخطأ ليكون له أجر أم لا؟

فهنا نقول له: لا، هذا الكلام غلط.

وأنتم تذكرون، طبعًا، عندما تكلمنا، وهذه مهمة جدًا، أن ترجع إلى قضية عوارض الأهلية؛ لتعرف أن الآية، عندما ذكرنا كلام أهل العلم في أن العارض إنما يرفع عِلّة الحكم، فلا بد أن يسقط الحكم أولًا؛ هذا هو الطبيعي إذا كان الكلام صريحًا.

وأنا لن أراجع هذا الكلام، فأنت راجعه في مكانه؛ لأن هذا من مهمات وعيون العلم: أنه إذا كان الكلام صريحًا ظاهرًا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:

«حتى تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان».

قال النووي رحمه الله: «البواح: الظاهر الذي لا يقبل التأويل».

فإذا كان كلامه ظاهرًا، وإذا كان ما فعله ظاهرًا صريحًا في الكفر، نُزّل عليه حكمه مباشرة ودون تردد.

طيب، لما نزل عليه حكمه، نقول له: خلاص، فعلت كذا، فأنت كافر.

فيقول لي: والله، أنا كنت مكرهًا، أنا فلان الفلاني فعل معي كذا وكذا، كنت مكرهًا!

أقول له: خلاص، رُفع عنك اسم الكفر.

فيقول لي: طيب، ألا تستنتظر قليلًا حتى تسأله؟

طبعًا أنت لا تقول هذا الكلام؛ لأنك درست معي في العروة الوثقى، إياك أن تقول هذا الكلام! بل أقوله عمن يقوله بعد ذلك.

ممن لم يفهم المسألة قال: «ألا تستنتظر حتى تكشف عن العوارض أولًا؟!»

أقول له: لو استنتظرت، فهذا معناه أنني أقول إن الأعمال والأقوال لا أثر فيها على الإيمان، فيكون هذا قول الجهمية!

أرأيت كيف؟

أليس من عقيدة أهل السنة أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، لا يغني أحدها عن الآخر؟

كما قال الشافعي رحمه الله: «كل شيء من هذا مستقل».

هل أنت منتبه؟ كل شيء من هذا مستقل.

فإذا قلنا إنه عمل، وقال قولًا من الكفر، كفر به.

طيب، حتى لو كان لا يعتقده؟

لو قال كلامًا صريحًا كفر به؛ لوجود تلازم الظاهر والباطن.

وأنا لن أحتاج إلى إعادة هذا الكلام مرة أخرى، فأنت تراجعه بشكل مستمر؛ لأن هذا، كما قلت لك، من عيون العلم المهمة جدًا لفهم هذه القضية.

إذن، متى يحصل الترخيص من الله، فضلًا من الله تعالى؟

قال لك: في الكلام المحتمل؛ لأن الكلام في أصله محتمل.

فأقول: لعله يكون كفرًا.

ألم تعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم وصفه بقوله:

«وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس»؟

بينهما ماذا؟ بين الحرام والحلال.

وابن رجب رحمه الله، وهو يشرح هذا الحديث في جامع العلوم والحكم، قال: إن هذا فيه شبه من الحرام وشبه من الحلال، فأصبح مشكلًا على الناس، لا يعرفه إلا العلماء، هم الذين يعرفون هذه المسألة.

فلما يكون الكلام محتملًا، لا تستطيع أن تعرفه بنفسك؛ بل العالم نفسه، عندما تأتي وتقول له: إن فلانًا قال كذا وكذا من الكلام المحتمل، يقول لك: اسأله أولًا، لا بد أن نسأله.

2️⃣

كما ذكر الإمام النووي رحمه الله في بداية المجموع، قال: وقال الصَّيْمريُّ: إذا جاءه المستفتي فقال له: إن فلاناً قال كذا من الكلام المحتمل، فينبغي أن يقول: إن كان قصد كذا فكذا، وهنا إنما نلتفت إلى القصد؛ لأن الكلام نفسه محتمل، فلا يمكن إسقاط الحكم هكذا.

فتقول لي: والله لا بد أن أسقط عليه حكم الكفر هو أيضاً؟ أقول لك: تسقطه كيف؟ إذا كان كلام محتمل ربما يكون حراماً وربما يكون حلالاً، فكيف تسقط عليه الحكم؟ لا أستطيع أن أسقط عليه حكماً بحال، فهذا رجل حاله بين أمرين، فلا بد من سؤاله أولاً لكي يبين ويوضح ما عنده.

وأما الكلام صريحاً فقد أعرب صاحبه عن نفسه وانتهى، خلاص هو قال الذي عنده بصراحة.

ولذلك لما قال أولئك الجماعة: (قراؤنا أرغبنا بطوناً، وأكذبنا ألسنةً، وأجبننا عند اللقاء)، قال الله تعالى: {لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم}، خلاص، كلمة واحدة؛ لأن هذا كلام صريح في السب وانتهى الأمر.

طيب، أنا الآن أريد أن أفهم هذا الرجل، إذن فهذا النوع، عندما تحدثنا أيضاً في قاعدة (ما لم يكفر كافر فهو كافر)، قلنا يا إخوة: الكلام في هذا أن الذي يؤمن بالشرك، عندما تقول له: هذا الرجل يعبد القبر، وهذا الرجل يشرع، فيقول لك: (وفيها ماذا يا أخي؟ أمال نحن كيف سنعيش؟ ) له يا أخي قول من أقوال العلماء- فيجوز الشرك!

فنقول له ماذا ساعتها؟ نقول له: قد كفرت بهذا الاعتقاد!

لماذا كفر بالاعتقاد؟ لأنه جوّز الشرك.

والكلام هذا كله قد قلناه، وأرجو أن يُراجع بشكل دائم.

يعني الحمد لله الحلقات معنونة، تستطيع أن تأخذ العنوان وترجع إليه مباشرة في هذه المسألة.

3️⃣

​طيب، هم الآن بدأوا يشبهون هذا الرجل الذي معنا، بأنه لم يكفر ابتداءً؛ قلنا إن هذا النوع هو من العاذر الذي لا يكفر ابتداءً.

والذي يكفر ابتداءً هو من يقول لك: (هذا ليس شركاً أصلاً، وليس فيه شيء) ويجوزه، أو يقول لك: (أنا ممتنع عن تكفيره)؛ فتقول له: ممتنع لماذا؟ فيقول لك: (يا أخي، أكفر صاحبي؟!)، فنقول: بل أنت قد كفرت! فماذا حصل هنا إذن؟ لقد امتنع عن الحكم الشرعي.

ولذلك قلنا وقتها: ليس هناك شيء اسمه أن يكتب أحد (فتنة التكفير)، ليس هناك حكم شرعي فيه فتنة، لا، وإنما يقال: (الغلو في التكفير) مثلاً، فيمكن أن يوجد غلو وغير ذلك، ولكن الحكم الشرعي لا يُسمّى بهذا الاسم.

​والذي أريد أن أقوله لك: إن النوع الذي معنا الآن، هو يقول لك: هؤلاء مشركون، لا كلام في هذا، هؤلاء مشركون، يعني هذا شرك، قل: هذا شرك، شرك الديمقراطية، التشريع هذا شرك؛ ولكنني لا أُكفّر الإنسان! فنقول له: لماذا؟ فيقول: أنا أعذره بأعذار؛ كان يقصد خيراً، كان لا يقصد الكفر، والله هو يقصد أن يحكم شرع الله! ويقول لك مثلاً أعذره بالقصد.

وآخر يقول لك: أعذره بالتأويل، فهذا رجل متأول! وآخر يقول لك: أعذره والله لقد اجتهد وأخطأ، يا سيدي أعذره بالاجتهاد!

​طبعاً أنا أريدك أيضاً ألا تنسى أننا فرقنا هنا في المسألة بين نكتة مهمة جداً جداً؛ أن نفرق بين من سقط في الحكم، يعني رجل وقع في الشرك، وجاء واحد من هؤلاء الجهمية الذين عندهم خلل في عقيدتهم ودخلت عليهم أصول الارجاء، بل هو أكثر من إرجاء المرجئة!

لقد قلنا من قبل: إن المرجئة والجهمية يقولون إن فاعل الشرك مشرك.

وهذا الكلام ذكره حافظ حكمي في معارج القبول، وذكره ابن تيمية في التدمورية وغيرها، وذكره غير واحد من أهل العلم، وأنا ذكرتُه لك حينها بمواضعه.

​إنما أقول (يعني هذا تجاوزاً لو قلنا إنهم ماذا): غلاة المرجئة؛ والغلاة المرجئة هؤلاء هم من في الحقيقة؟ هم غلاة الجهمية! ومن هم غلاة الجهمية؟ الحلولية الاتحادية؛

الحلولية الاتحادية هؤلاء يقولون: إن الشرك ليس مؤثراً ولا التوحيد مؤثر! لماذا؟ لأنه يقول والعياذ بالله: (عين خلقي)، وما من أحد، فكل هذا الخلق هو الله في الحقيقة! فطبعا لخبطوا الدنيا تماماً.

​والذي أريد أن أقوله لك فقط: إن من يقول هذا الكلام من هؤلاء الجهمية الغلاة، يقول هذا الكلام وقد دخلت عليه أصول أولئك، فيقوم فيفتيه ويقول له ماذا؟ يقول له: أنت كنت متأولاً، فأنا أعذرك بالتأويل، وأنا أعذرك بالجهل، ولن أسميك كافراً، بل سأسميك مسلماً كما أنت!

نعم، سميك مشركاً مسلماً كما أنت مع أنك فعلت الشرك! ونحن قلنا: إن أكبر المدارس التي بثّت هذا في العصر الحديث كانت مدرسة الشيخ الألباني -مع الأسف-. الشيخ الألباني كان له كلام أن من سب الدين لله، سب الدين لربنا، فهذا لا يكفر! قال ماذا؟ قال: هنا هذا الرجل جاهل، وهل يجهل الله؟! فطبعا كان هذا شيئاً صعباً جداً! إلى غير ذلك من صور أخرى، فجاء بعد ذلك تلامذته مثل علي الحلبي وغيره،

حتى قلت لك من قبل إن علي الحلبي قال: وضع شروطاً هكذا ما أنزل الله بها من سلطان، ست شروط، وقال في النهاية: إذا لم تتحقق هذه الشروط في الرجل فلا تكفروه، وإذا تحققت كلها فالأولى ألا تكفروه أيضاً!

وقلنا بعد ذلك: إن الطاغوت انتشر جداً وصار الناس يقولون: مسلم! حتى إنك ترى زمان عندما كان يحقق رجال أمن الدولة مع أحد، يقولون له: أليس لك عليه السمع والطاعة؟ وطبعا لن نقول زمان، بل مع الأسف الشديد الآن تجد أنه في بعض المشايخ عندما يتكلم عن مرسي يقول لك: له السمع والطاعة، ولولا السمع والطاعة والله كنا بهدلنا الناس التي جاءت تشتم فيه هذه، ولكن له علينا السمع والطاعة!

4️⃣

​فإذن كيف يكون السمع والطاعة ومن أين؟ وهذا الرجل حكم بغير ما أنزل الله عز وجل، وهذا دستور، وأنتم أنفسكم الذين قلتم: حكم بغير ما أنزل الله، فكيف يصير مسلما فضلاً عن أن تقول له السمع والطاعة؟!

هذا الرجل صار مشركاً طاغوتاً يحكم بغير ما أنزل الله. وكان لابد أن يقال هذا الكلام.

والذي أريد أن أقوله لك (يعني): إن هذه المسألة مسألة في غاية الشدة، وانتبهوا يا إخوة، مشايخنا وغيرهم ممن دخل في هذه العملية الديمقراطية بعد ثورة يناير وما دار حولها إنما كشفت أن هذا العيب كان موجوداً من قبل، ولو بحثت ودققت لوجدته لم يكن يكفر المعين، حتى مدرسة الدكتور محمد أبو المقصود التي كانت دائماً تتكلم في موضوع الحكم، كان يجيء عند المعين ويقف فيقول لك: لا؛ المعين هذا هو الذي يحتاج لإثبات الشروط وانتفاء الموانع.

وبالتالي كان عندهم أعذار مبطنة أو دفينة ليست موجودة أمامنا نحن، لكنه يقول: الحاكم بغير ما أنزل الله كافر، والحاكم بغير ما أنزل الله طاغوت، ولكن عندما تأتي عند المعين يعذره بالتأويل وغيره.

ولذلك لما جاء مرسي عذروه بذلك، ولكن هذا لم يُسمَّ عذراً -فانتبه-.

​والفرق بين هذا وذاك أن الرجل عندما يقع في الشرك، ثم يجيء ليقول للمفتي الجهمي هذا: والله إني قد عملت كذا وكذا متأولاً؛ فيقول له المفتي: أنا أعذرك بالتأويل، وأعذرك بالجهل، وأعذرك بكذا، -ولن أسقط عليك حكم الكفر- وتبقى أنت مسلماً كما أنت!

ولكن هذا معناه ماذا؟ معناه أنك لو رجعت ثانية ستكون معانداً! فانتبه لهذه المسألة لتعرف؛ حتى والله ولا حتى كلام الجهمية يقولون هكذا، فالدرك الذي وصلنا إليه الآن لم يقل به أحد في الدنيا قط -لا الذي أخطأ، ولا الجهمي، ولا المرجئ، ولا أي أحد-؛ فلم يقل أحد قط: تفضل تأول واكفر، ولا قال لك: تفضل اجتهد واغلط واكفر، ولا قال لك: تفضل اجهل واكفر!

فهذا مضاد للعقل تماماً؛ لأنه عندما أقول له إن هذا كفر فقد علمته، فلم يعد جاهلاً بل صار عالماً! أفرأيت ذلك؟

​فإذن لابد أن نفرق بين الإذن بالكفر -بمعنى أن يأذن به المفتي، انتبه- وبين الإذن الشرعي؛ فالإذن الشرعي إنما جاء من الله عز وجل، والإذن الذي هو بمعنى الإباحة كما قال الشاطبي -وهذا الكلام كله قد قلناه من قبل أيها الإخوة، ولا أريدكم أن تنسوه- الإذن هنا معناه أن الله أباح الكفر للمكره فقط، وليس لأحد سواه! لماذا؟

لأن الإكراه هو العارض الوحيد الذي يأتي متزامناً قبل الفعل، فيأتي قبل الكفر، فيقول لك: اكفر وإلا أهلكتك ضرباً!

فتنتقل إلى المفتي وتقول له: اكفر أم ماذا؟ لقد كسرني، ضربني ضرباً لا أستطيعه، فما أعمل؟ فيقول لك المفتي: قل كلمة الكفر وأنت معذور.

أتعرف؟ كما جاء سيدنا عمار رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله قد قلت كلمة كذا وكذا -فقال له: قلت ماذا؟ قالوا كذا وكذا، أو أحرقوني أحرقوني وولعوا فيّ- فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "إن عادوا فعد".

فهذا هو العارض الوحيد الذي يحصل هكذا، وليس هناك أحد يقول: والله يا جماعة أنا سأحاول أن أتأول وأكفر! ليس هناك شيء من هذا القبيل أبداً؛ بل يتأول الإنسان فيقع في الكفر، وحين يفعل الكفر ثم يقول لك: كنت متأولاً، نقول له: لا نقبل هذا الكلام منك، كما جرى مع جميع الفرق التي لم يقبل العلماء منهم ذلك.

وقد ذكرت لك كلام القاضي عياض حين قال: "وأجمعوا على تفسيقهم وتبديعهم واختلفوا في تكفيرهم" -يعني الفرق-، وقلنا إنهم اختلفوا في تكفيرهم لأن مسائلهم كانت مسائل خفية أو تخفى مسالكها، وهذا كله قد شرحناه من قبل.

5️⃣

​والذي أريد أن أقوله لك هو أنهم الآن يحتجون عليهم بمسائل؛ يقول لك: والله هذا الرجل قد يعذر ، وطبعاً ما يقولونه الآن هو إذن بالكفر والعياذ بالله! ليس هذا هو الأمر، بل هم يأذنون لهم وهم جهلَة فيفعلونه.

ومع الأسف الشديد، فقد ذكرت لك أن كلام بعض مشايخنا -مع الأسف الشديد- يقول فيه: يا جماعة أنا أندبكم أن تقرأوا كلام ابن تيمية في مسألة الفترات، فكل زمن فيه فترات، والآن نحن عندنا في هذا الزمن فترات! أي زمن هذا؟ اقرأ وشوف الكلام هذا! آه، فترات يعني ماذا؟ يعني ليس هناك علم!

يعني لا يمكنك أن تقول إن الزمن فترة يا شيخ، لأنك أنت موجود! وبمجرد أنك موجود فكيف تكون فترة؟

إذن فالحجة الرسالية تبلغ طالما أنك موجود وموجود على فضائية! يعني من لم يعرف فقد عرف من الفضائية، ألا ترى التناقض في ذلك؟ كيف يكون هناك جهل وفي الوقت نفسه يوجد علماء، ومع ذلك يقول لك: خلاص، هي فترة هكذا!

​الحقيقة، وحقيقة ما يحدث الآن هو الإذن في الكفر! يعني ربما لا نعترض فنقول: إن هذه المسائل ليست في زمانها، خلاص هذا الزمن ولى، ولا كان زمان أن يفعل الإنسان الكفر ثم يأجره أحد فيقول لك: أنت معذور!

لا، بل اليوم يقول لك: اجهل واذهب واعمل ما شئت فأنتم في زمن فترة، يلا اذهب واكفر! يلا اذهب تأول واكفر! وهذا بالطبع من الخطأ العظيم، بل يأتيك الإنسان فيقول لك: أنا فعلت كذا وكذا، فيقول له الجهمي: أنت معذور بالتأويل!

ثم إن الجهمي نفسه يقول له بعد ذلك: إياك أن ترجع مرة ثانية إلى هذه المسألة، لأني قد عرفتك الآن، فلو تأولت ثانية في الكفر فسأكفرك! لماذا؟ لأنه صار معانداً وليس متأولاً ولا شيئاً من هذا! هذا كلامه فاسد بالطبع، ولكن هذا الذي أقوله لك ليس موجوداً بهذا الشكل، بل الموجود الآن هو الإذن الصريح! يقول له: تأول وادخل وتفضل اكفر! فهذا اسمه إذن في الكفر والعوذ بالله، بما لم يأذن به الله عز وجل.

​ولكننا مع ذلك سنجيب عنه لأنه شيء منتشر، وكما قلت لك من قبل.

قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: "تعلمنا كبار العلم، فلما رأينا الناس يهتمون بصغاره تعلمناه لهم".

فمع الأسف الشديد سنبدأ بالتحدث في هذه المسألة، وهي مرتبة هكذا أيها الإخوة؛ شبهات شبهوا بها من القرآن، وشبهات شبهوا بها من السنة، وشبهات شبهوا بها من كلام العلماء، وسنتعرض إليها إن شاء الله عز وجل بالطريقة ، ستجد عندك في جزء معين مكتوب عليه: شبهات المجادلين عن المشركين أو عن فاعل الشرك؛ شبهات من القرآن، وشبهات من السنة، وشبهات من كلام أهل العلم.

6️⃣

طيب، الآية الأشهر والأكثر عند هؤلاء، التي نستفتح بها من كتاب الله عز وجل، مستعينين بالله عز وجل، هي قول الله عز وجل:

{إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}

قال لك: والله، الآن، هؤلاء الحواريون مسلمون أم كفار؟ المسلمون، أليس كذلك؟ الحواريون أصحاب سيدنا عيسى رضي الله عنهم.

طيب، قالوا له: هل يستطيع ربك؟ إذًا، هؤلاء شكّوا في الاستطاعة وفي قدرة الله أم لا؟ شكّوا في قدرة الله! إذًا ما الموضوع؟ الموضوع أنهم فعلوا الكفر الأكبر! شكّوا في قدرة ربنا، ومع ذلك ما زالوا مؤمنين كما هم!

وهذا يدلك على أن الإنسان إذا وقع في الشرك الأكبر، أو وقع في الكفر، فإنه لا يكفر؛ لأنه يُعذر بالجهل!

فنقول هنا نفس القواعد التي قلناها:

#أولًا: الخطاب الكلي العام يقول إن الله عز وجل نهى عن أن يُشرَك به عز وجل، فقال:

{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}

أليس هذا هو الخطاب العام؟ وقال:

{وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا}

وأمثال ذلك من كلام الله عز وجل؛ إذًا فهذا هو الخطاب العام.

وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك». قلت: إن هذا لعظيم!

إذن خلاص، عمل ندًّا لله عز وجل، وعبد غير الله عز وجل، ونقض أصل الدين، وسقط...

فمن الذي يُعذر في مسألة الشرك الأكبر؟ تصنيفه اسمه هكذا: الشرك الأكبر أو الكفر البواح.

وانتبهوا يا إخوة من هذه الألفاظ، حتى لا يأتي أحد ويكلمني في الرياء، ثم يقول لي: ما هو اسمه شرك أيضًا!

أو أحد مثل بعض الضلال يلبّسون على الناس، فيفعل ماذا؟ يقول له: والله، الآن سأجيب لك كلامًا للسلف يقول إن المعاصي كلها من الشرك.

شرك لماذا؟ قال: لأن ما من أحد عمل معصية إلا اتبع هواه، وحيث إنه اتبع هواه فقد عبد هواه، وحيث إنه عبد هواه، إذًا فقد أشرك!

نعم، صحيح، يوجد في كلام السلف شيء من هذا فعلًا، ولكن كلام السلف هذا هل هو للترهيب أم للتأصيل؟ انتبه، كلام السلف هذا هل هو للترهيب أم للتأصيل؟

كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض».

هل علمت أحدًا من أهل العلم قال إن الذي يقتل أحدًا يصبح كافرًا؟

وهل علمت أحدًا من أهل العلم قال إن الذي يأتي امرأته وهي حائض يصبح كافرًا؟

ومع ذلك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أتى امرأة حائضًا فقد كفر بما أنزل على محمد».

فما تأويل هذا؟

قال لك: هذا ليس الكفر البواح، وإنما يقال للتغليظ، حتى إن العلماء يقولون: اذكره هكذا كما هو.

فإذا وقع أحد فيه، قال: هذا هو الكفر الأكبر!

فنصححه له ونقول له: لا، هذا ليس الكفر الأكبر، ولكننا نقوله للتغليظ حتى نخوّفك، وألا تعمل هذه المعصية؛ فسماها كفرًا لتعرف أنها معصية عظيمة غليظة جدًا، لكنها مع ذلك لا تبلغ أن تُخرج المرء من الملة.

وأمثال هذا كثير جدًا.

وطبعًا وقع الخوارج فقالوا: الكفر كفر، وليس هناك شيء اسمه قطة صغيرة وقطة كبيرة، هي كلها اسمها قطط!

فطبعًا، عندما مشى وراء قانون القطط الخاص به هذا، ذهب فكفر الخلق، وعمل الذي عمله هذا.

لا، وإنما أهل العلم يجمعون الأحاديث، ويجمعون الأطراف، ومسائل يجمعون بعضها إلى بعض، ويخرجون بالنسق...

المهم، الذي أريد أن أقوله لك: إننا الآن نتكلم عن الشرك الأكبر والكفر البواح.

أهو هكذا: الشرك الأكبر والكفر البواح، وهو الكفر الذي لا مثنوية فيه، ظاهر لا تأويل له.

والشرك الأكبر هو عبادة غير الله عز وجل، أو أن تجعل لله ندًّا، أو أن تصرف عبادة رأسًا لغير الله عز وجل، والكلام هذا قد تفضلنا فيه في أول السلسلة.

فهو استدل بهذه الآية، فنقول له:

أولًا: ثبّت الأصل.

ثبّت ماذا؟

أن الله عز وجل لا يغفر أن يُشرَك به، وأن الله عز وجل لم يعذر في الشرك إلا بالإكراه، بالإجماع!

نعم، بالإجماع!

إذن فهذا هو الأصل العام الكلي.

فمسألتك هذه لو صحت، لو صحت، لو صحت، ولكنها ما صحت، لو صحت أنها احتملت الشرك، فنقول له: هذا جزئي لا بد أن يُؤوَّل إلى الكلي.

وقد قلنا من قبل القاعدة المهمة جدًا التي ذكرها العلماء، وطبعًا ذكرنا منها نقولات عن الشاطبي كثيرة، أنه قال في معرفة الجزئي الكلي:

إن المسائل الجزئية ووقائع الأحوال لا تنقض الأصول الكلية.

خلي بالك من هذه القاعدة، أوصيكم ألا تنسوها!

7️⃣

إذن فالأصل العام، هل عرفت أن أوفّق بين هذا وهذا؟ عرفت، ما عرفت؟

أترك هذه الشبهة، إذن فهي شبهة، فأتركها وأذهب إلى الأصل العام الكلي الذي خاطب الله به جميع المكلَّفين.

ثانيًا: نقول له: هذه مسألة مجمع عليها؛ هل الشرك الأكبر كفر؟ نعم، بالإجماع! أيوه، بالإجماع.

هل الشرك الأكبر هذا فيه عذر؟ لا، إلا الإكراه فقط، بالإجماع! أيوه، بالإجماع.

يعني ليس هناك تأويل، ولا خطأ، ولا شيء آخر؟ لا، إذن فالناس جاهلون وهم غير معذورين.

إذن نرجع فنأخذ بالإجماع؛ فيكون هذا هو الأصل الكلي، وتكون عندنا الآية، فنستطيع حينئذ أن ننظر: هل لها تأويل أم ليس لها تأويل؟ لكي نرد هذه الآية إلى الأصل الكلي، فإن لم ينضبط ذلك أخذنا بالخطاب العام الذي هو الكلي، الذي هو العزيمة، كما قال الشاطبي رحمه الله وغيره.

طيب، عندما نأتي لنقصّ المسألة ونفصلها، نقول لك يا فندم: أثبت العرش ثم انقش!

ثبّت المسألة أولًا؛ هل هذه المسألة كفر بواح يا إخوة، أم شرك أكبر؟ الجواب: لا.

قل لي: لماذا؟ أليست هذه في التوحيد؟ هذه صفات؟ وفي صفة ربنا عز وجل!

أقول لك: خلي بالك، انتبه، من هذه الجزئية، فهي مهمة جدًا، انتبه منها جيدًا، وهو أن أصل دين الإسلام الذي يُنقض بنقضه الإسلام كله، فيسقط اسم الإسلام كله، والعياذ بالله، نسأل الله العافية.

أصل دين الإسلام الذي شرحناه من قبل في البداية خالص، هو الإقرار بالله عز وجل وعبادته وحده لا شريك له، ومخاصمة الكفار التي فيها الكفر بالطاغوت، يعني.

ولذلك قال ابن القيم رحمه الله: والطاغوت هو؛ فطاغوت كل قوم من يحتكمون إليه، أو من يطيعونه، أو من يتبعونه بغير برهان من الله عز وجل.

خلاص، إذن فهذا هو أصل الدين، وهو الذي يُنقض به الإسلام.

فما مسائل الصفات هذه إذن؟ هذه مسألة تسمى من الأصول. الله!

هل هناك فرق بين الأصل والأصول؟

أقول لك: أيها الأخ، وأنت أراك لا تذاكر! ارجع إذن إلى أول الحلقات خالص، ستعرف أننا وضعنا هذه القاعدة لكي تأخذ بالك منها،

وقلنا: عندما نأتي للتحدث بعد ذلك في الشبهات، ستفهم هذه المسألة جيدًا.

إذن، فلماذا هذه الفرق عندما تكلم العلماء عنها لم يكفّروها؟ لم يكفّروا المعتزلة بأعيانهم مثلًا، لماذا؟

قال: لأنهم مختلفون في مسائل، وهذه المسائل يدخل فيها الخفاء، أو أن مسالكها تصعب على صاحبها أو تخفى عليه.

مسالك هذه المسائل تصعب على صاحبها وتخفى عليه، فلذلك هكذا نزلوا، وصارت هذه من أصول الدين.

صحيح أنها ليس فيها عذر بالجهل، ولا بالخطأ، ولا بذاك، وليس فيها عذر بالتأويل! هذا هو الذي أوّلوه.

ولكن العلماء لما اختلفوا في تكفيرهم، فلأن المسألة أصلًا تخفى.

ولذلك أنا ذكرت لك كلام الإمام الشاطبي رحمه الله لما قال: إن الله عز وجل في الإلهيات، لما تكلم عن نفسه عز وجل وعن عبوديته عز وجل، تكلم بكلام عام يفهمه الأمي البليد كما يفهمه العالم الذكي، كله يفهمه، ثم أكمل بعد ذلك هذا بالكلام في الصفات.

8️⃣

أتعرف إذن ماذا قال ابن رجب رحمه الله لما تكلم في هذه المسألة؟

قال: بعد ذلك، إذن مسائل الصفات هذه التي هي ماذا؟ هي تابعة لأصل الدين، وهذا كله قد ذكرناه أين؟ ذكرناه في مواضعه، من التفريق بين الأصل والأصول؛ فأساس الدين هو ما ذكرناه، وأما أصول الدين، فيأتي فيها هذه المسائل التي اختلف فيها وتنازع فيها أهل السنة مع أهل البدع، وحصلت بينهما الفرق الناتجة هذه. المسألة هذه مسألة في الصفات يا إخوة.

طيب، هل مسائل الصفات هذه قد تخفى؟ مسائل الصفات لا تُعرف إلا بالشرع!

قل لي: كلها؟ يعني نحن عندنا شيء اسمه صفات ربوبية، هذه لا ينبغي لأحد أن يختلف فيها، ولا ينبغي لأحد أن ينكرها.

أقول لك: لا، انتبه إذن! فإن ابن تيمية يقول إن الصفات التي قُسِّمت إلى هذه التقسيمة هي من صنع المعتزلة، ولذلك يتكلم بها أهل السنة أحيانًا، ولكن الأصل ما هو إذن؟

قال ابن تيمية رحمه الله في (التدمورية)، وهذه معلومة قوية جدًا وقوية جدًا، انتبه منها؛ يعني أنا لما رزقني الله عز وجل بها، كأنما ظفرت بشيء عظيم جدًا، لأن طبعًا شيئًا كان عظيمًا جدًا تستطيع أن تفهم به هذه المسألة.

يقول ابن تيمية رحمه الله: وصفات الله عز وجل لا تُدرَك بالعقل استقلالًا على وجه التفصيل، وإنما قد يُدرَك بعضها بالعقل إجمالًا، والتفصيل في الشرع.

تقوم تفهم إذن عندما يكلمك ابن تيمية في العلو، فيقول لك ماذا؟ يقول لك: وهذه صفة تُعرف بالعقل والشرع، الاثنان مع بعض؛ فأنا في الجملة أعرف أن الله عز وجل في العلو، وأن الله عز وجل في السماء، أنا في الجملة أعرف هكذا.

أمال عرفت من أين أنه على العرش استوى؟ من الشرع! أفهمت كيف؟

ولذلك حصل أنه لم يكفّرهم! أتعرفت القضية إذن لماذا؟ لماذا لم يكفّرهم؟

لأن أصل ما يُعرف بالشرع؛ هل أنت درسته وعرفته جيدًا أم لم تدرسه؟

مسائل الصفات قد يدخل فيها على الإنسان، فيحصل فيها شبهة، فتلتئم معه مثلًا مع اللغة العربية أو مع غيرها.

والشاهد، يعني، أن هناك فرقًا بين أصل الدين وأصول الدين؛ فهذا عندما ينكر القدرة، لو سلمنا بذلك يعني، عندما ينكر القدرة، نقول له ماذا؟ نقول له: وقعت في قضية في الصفات، فيمكن إذن أن نكلمه بأنه يجهلها!

ولذلك ابن تيمية رحمه الله عندما نأتي لحديث الرجل الذي قال: «فلان قدّر عليّ ربي»، قال ابن تيمية رحمه الله عنه إنه كان جاهلًا..

فيشكل عليك وتقول: جاهل كيف، وهذا في صفات الله عز وجل؟!

فيقول لك: كان جاهلًا؛ لأن الصفات هي على الوضع الذي حكيته لك، والذي لا بد أن تأخذ بالك من ترتيبه في الشريعة.

وقلنا من قبل: إن الفقه هو علم ماذا؟ الفقه هو علم الجمع والتفرقة، فاحذر أن تنسى هذه المسألة؛ لكي تعرف المسائل التي تشبه بعضها، والمسائل المتباينة عن بعضها.

إذن، فهذا ليس في الباب الذي نحن نتكلم فيه، أنا أكلمك في الشرك الأكبر والكفر البواح ولكن ليس الأمر هكذا، وإنما جاء ذلك في المسائل الخفية التي تخفى بنفسها أو تخفى مسالكها.

إذن، فليس هذا هو الموضوع، وأنا أكلمك عن أصل الدين، لا عن أصول الدين، وعليه فالآية ليست في موضوعنا نفسه.

أزيدك على ذلك زيادةً، كما يقولون: من الشعر بيت: إن هذه الآية أصلًا ليس فيها إنكار ولا شيء! لماذا؟

لأن الإمام الكسائي رحمه الله روى عن عائشة رضي الله عنها وعن معاذ بن جبل، وهذه قراءة متواترة:

{إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ}

وخلي بالك، حفص المشهور عندنا يقرأ: {هل يستطيع ربك}، بينما كانت عائشة رضي الله عنها ومعاذ بن جبل وجماعة من أهل العلم يقرؤونها: {هل تستطيع ربك}، بتاء الخطاب الموجَّهة إلى عيسى عليه السلام.

يعني ماذا: {هل تستطيع ربك}؟

قال لك: هذا أسلوب عربي، كأنهم يستأذنونه بأدب، يقولون له: يعني، هل تستطيع أن تسأل ربك كذا وكذا؟

وأنا أستطيع، وأعلم أنه يستطيع، لكنني أقول له هكذا من باب التأدب، كما نقول لبعضنا البعض: لو سمحت، هل يمكنك أن تجلب لي هذه من عندك، بعد إذنك؟

وأنت تعرف أنك تستطيع جلبها بالطبع، وهي قريبة منك وليس فيها أي مشقة، لكنني عندما أقول لك: «ممكن؟» فلماذا أقولها؟ من باب الأدب، بدلًا من أن أقول لك مباشرة: هات لي هذه الكوباية!

فهم بفعل أدبهم وعظيم توحيدهم قالوا له: هل تستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء، وهكذا.

أفرأيت كيف؟

9️⃣

إذن فهذه الآية ليست مستمسكًا لصاحبها؛ لأنها خارجة عن موضوع النص بالمرة.

هذه، ولن أقول لك عارضت الكلي، بل هي ليست معارضةً له أصلًا، وإنما عرضت في ذهن صاحبها الذي اخترعها!

وقد قلنا من قبل: إنه، مع الأسف الشديد، هذه الآية لم يكن أحد يحتج بها أبدًا في هذه المسألة.

ها أنا أقولها لك: هذه الشبهات الموجودة لم يكن أحد يحتج بها، ولا يتكلم أحد عن جواز الشرك أبدًا، مطلقًا، أبدًا، كما أقول لك، إلا في هذا الزمان الأسود فقط!

أما قبل ذلك، فلم يقل أحد بجواز هذا التشريع قط، وقد ذكرنا تاريخًا لبعض ذلك.

فما الذي حصل إذن؟

الذي حصل، مع الأسف الشديد، أن الشيخ سيد قطب رحمه الله صدع، وهو في المستشفى في سجون جمال عبد الناصر لعنه الله، بهذه المسألة، فقال: والله يا جماعة، إن الحكم هذا جاهلية.

أنت تعرف الشيخ سيد في المحكمة عندما قالوا له هكذا: ما تقول في الحكم بغير ما أنزل الله؟

قال: الكفر، ومن حكم به كافر!

هكذا صراحةً، حتى إن أناسًا قالوا له: يعني يا أستاذ سيد، لو لم تقل هكذا؟

فقال: العالم لا يجوز له أن ينكر الكلام في هذه المواضع؛ لأنه يُعتصم به، إلى غير ذلك من كلامه رحمه الله.

والشاهد أنه صدع بهذا الكلام، فبلغ هذا الكلام للمرشد العام، وطبعًا بلغ بعض الشباب وفهموا جيدًا هذه المسألة.

فذهبوا في زيارة للمرشد، وكان الهضيبي قاعدًا في المستشفى أيضًا، فزاره أولئك الشباب وقالوا له: والله يا سيادة المرشد، الآن، طبعًا، حمزة البسيوني كان رجلًا من أخبث خلق الله عز وجل، وأنتم تعرفون ذلك، لدرجة أن الناس كانوا يستغيثون بربنا عز وجل، وكان يقول له: أنا لو ربنا نزل سأحبسه في الزنزانة المجاورة!

وكان رجلًا كفره واضحًا، يعني.

فذكروا له حمزة البسيوني وقالوا له: هذا رجل كافر!

فقام الهضيبي وقال: لا! ما الذي تقولونه هذا؟! سيحصل لنا انحراف، أتعرفون؟

أمال هذا ماذا؟

قال لك: هو... حتى إنه قال في حق الله ما قال، أي: يحبس ربنا، والعياذ بالله!

ولذلك حبسه الله عز وجل بالحديد في جسده، كما تعلمون من قصته، إذ مات بأن دخل بسيارته في شاحنة حديد، فرشق الحديد في جسمه كله، وظل حيًّا حتى آخر كيلومتر، والناس واقفة حول سيارته، وعرفوا أنه حمزة البسيوني، فصاروا فرحين فيه قائلين: الله يخرب بيتك مطرح ما رحت، وربنا ينتقم منك، ويختم لك بخاتمة السوء أيضًا بما صنعت في الناس!

فأنت تقول: هذا الرجل مسلم كيف، وهو يسب الله عز وجل، أو كما ورد؟ مسلم كيف؟

فقال: ليس عندنا هذا الكلام، نحن لا نكفّر أحدًا لا بقول ولا بفعل!

خلاص، هذا الكلام جاء من تلقاء نفسه، ولا يقوله... يا حضرة المستشار!

فقال: ليس هناك كلام من هذا القبيل.

ثم ألّفوا الكتاب المشؤوم (دعاة لا قضاة)، وكانت لجنة ثلاثية يقولون إن من أعضائها المرشد الحالي، وهو الدكتور محمد بديع.

فقاموا عاملين هذا الكتاب المشؤوم، ونتج عنه في الناس عقيدة هي أسفل من عقيدة الجهم، وهي: أننا لا نكفّر أحدًا بقول ولا بفعل!

وصرفوا الناس عن الحق، والآن، كما أنت ترى، تجد الإخوان يدخلون في الشرك الأكبر عاديًا جدًا؛ لأن هذا الكتاب كان بالنسبة لهم بمثابة الإمام لهم!

وفي الحقيقة، ذكر بعض أهل العلم، مثل الشيخ أبي العلا راشد حفظه الله، ذلك في كتابه (عوارض الجهل)، فقال: لم يقل أحد بالاحتجاج بهذه الآية قبل الهضيبي، وإنما قبل ذلك لم يحتج بها أحد على الشرك الأكبر أبدًا.

والشاهد، يعني أيها الإخوة، أن هذه الشبهة شبهة من زجاج، وكل كاسر مكسور؛ فهي، يعني، شبهة رقيقة جدًا، لا ترقى لأن تكون شيئًا يُعَدّ، لكنها سُرِّدت في الناس وبدأت تُلَوَّن عليهم.

ثم إن شاء الله عز وجل سنزيل بقية الشبهات الأخرى؛ من القرآن، ثم من السنة، ثم من أقوال أهل العلم في مجلس آتٍ.

أسأل الله عز وجل أن يجعلني وإياكم ممن إذا دُعي بادر، وإذا نُهي انتهى، وعقل مثواه فهدى لنفسه.

وأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد.

Wat haalt Dir dovun?

Lieser vun alle Sproochen vun dësem Artikel reagéieren hei zesummen.

Nach keng Reaktiounen

Gespréich

Ënner all Sprooch vun dësem Artikel leeft ee Gespréich. Wien en op Lëtzebuergesch gelies huet a wien en an enger anerer Sprooch gelies huet, schwätzen hei all zesummen.

Fir matzeschwätzen braucht Dir e Kont. Et kascht eng E-Mail-Adress an e Passwuert, soss näischt.

Nach huet keen eppes gesot. Dir kënnt deen éischte sinn.

Iwwer den Auteur

Scheich Samir Mustafa

De Scheich Samir Mustafa ass den egypteschen islamesche Prediger Abu Abd al-Rahman Samir ibn Mustafa al-Suyuti. Hie gouf am Asyut Governorate am Joer 1976 gebuer an huet de gréissten Deel vu sengem Liewen an der Stad Helwan am Kairo Governorate gelieft. Erzéiung a Wëssensfuerschung Religionsstudien: Hien huet sech vu senger Jugend un der Sucht no reliéisem Wëssen gewidmet an huet bei e puer féierende Scheicher a Gelehrte vun Ägypten studéiert. Seng prominentste Léierpersonal: Hien huet ënner Sheikh Hasan Abu al-Ashbal al-Zuhayri, Sheikh Abu Ishaq al-Huwayni an Sheikh Muhammad Abd al-Maqsud studéiert. Predigt a Scholaresch Aktivitéit Predikatiounen an Lieser: Hie gouf bekannt fir en erstaunlech oratoresche Stil deen direkt zu jonke Leit geschwat huet, an hien huet Honnerte vu Predigten a Lektiounen an de Moscheeën vun Kairo a Giza an an e puer aner ägypteschen Gouvernementer geleet. Scholaresch Interessen: An senger Predigt huet hien sech op de Bau vun engem solide Glawen konzentréiert, um Liewen vum Prophéit an der islamescher Geschicht ze léieren, an op d'Kultur vun der Séil. Grouss Serie a Schrëfte: Hien huet vill bekannte Rekordreihen an Liesen produzéiert, virun allem d'Serie "The Great Battles of Islam", "Commentary on the Short Suras", an "Stories of the Prophets", zousätzlech zu enger Rei Wierker a Broschüren iwwer islamesch Ausbreedung. Prisong: Seng ëffentlech Predigtaktivitéit ass gestoppt nodeems hien am Joer 2017 festgeholl gouf, während hie reest fir d'Ritualer vun der Umrah ze maachen, an hien ass zënterhier am Prisong bliwwen.

Ënnerstëtzen

Déi nächst Iwwersetzung matbezuelen

Turjuman ass an all Sprooch, an där et erschéngt, gratis ze liesen a mécht keng Reklamm. D’Iwwersetzen ass den Deel, deen Suen kascht. Wann dëst Stéck är Zäit wäert war, kënnt Dir eppes fir dat nächst ginn.

QR-Code fir d’USDT-Adress am Netz Tron (TRC20)

USDT · Tron (TRC20)

TCxC8zmmK9fqDy7B4FbeNs2hXJkfMQ6vjc

Schéckt nëmmen d’Mënz, déi hei genannt gëtt, iwwer d’Netz, dat hei genannt gëtt. Eng Iwwerweisung iwwer dat falscht Netz kann vu kengem zeréckgeholl ginn.

Als nächst liesen

Inhalt vum Buch