Akukahunyushwa kulolu limi العربية
المجلس الخامس والأربعون
📚 التفريغ الكامل للمجلس (٤٥) | عوارض الأهلية: الإكراه والتأويل
1️⃣
#المجلس_٤٥
السَّلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاته
الحمدُ للهِ الَّذي لم يزلْ عليمًا حكيمًا، وصَلَّى اللهُ وسلَّم وبارك على محمَّدٍ الَّذي أرسله ربُّه إلى النَّاس بشيرًا ونذيرًا، وعلى آلِ محمَّدٍ وصحبِه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أمَّا بعدُ، فهذا مجلسٌ جديدٌ، أيُّها الإخوةُ، من مجالسِ العُروةِ الوثقىٰ، نسألُ اللهَ عزَّ وجلَّ، وهو وليُّ الإسلامِ وأهلِه، أن يُمسِكنا بالإسلامِ حتَّى نلقاه به.
تكلَّمنا في اللِّقاءِ الفائتِ عن الإكراهِ كعارضٍ من العوارضِ الأهليَّة، وذكرنا في تعريفِ الإكراه، وحَدَّ الإكراه: إنَّ الإكراهَ لا بدَّ أن يكونَ درجاتٍ، فالإكراهُ الَّذي يُستعملُ ليُبيحَ كلمةَ الشِّرك، بخلافِ الإكراهِ الَّذي يكونُ ممَّا يُبيحُ مثلًا ما يدلُّ على أنَّ المرأةَ أُكرهت على صداقِها، كما قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّة رحمهُ الله.
⇇ فإذًا عندنا التَّقسيمةُ معلومةٌ، كما قلنا: تقاسيمُ العلمِ، فلا تنسَ المسألة؛ تقاسيمُ العلمِ من حُسن العلم، فتعرِفُ كلَّ قسمٍ أين يكون وأين يقع.
◄ فالإكراهُ منه ما هو مُلجِئ، وهذا الَّذي ينفعُ مع الكفرِ البواحِ والشِّركِ الأكبر، عياذًا بالله،
◄ ومنه الإكراهُ النَّاقص، الَّذي هو أقلُّ من ذلك، فهذا يُنظر: هل ينفعُ مع هذه المسائل أم لا؟ وكما قلنا: القضيَّةُ هي هذا القِسم ومن هنا نأتي فننظرُ إلى المسألةِ الواقعة، وننظرُ إلى عارضِ الأهليَّةِ الخاصِّ بها، الَّذي سيرفعُ الحكم، أو يرفعُ علَّةَ الحكم، كما ذكرنا من كلامِ الشاطبيِّ رحمهُ الله في الحلقات الماضية.
وبقي في الكلام عن الإكراه، أن أُذكِّرك أنَّ الإكراهَ المُلجئ إنَّما هو: الضَّربُ الشديدُ الَّذي يُخشى معه ذهابُ عضوٍ، أو الحرقُ بالنَّار، أو التَّهديدُ بالقتل ممَّن هو قادرٌ على إنفاذِه، أو السِّجنُ الطَّويل، أو المالُ الكثير. فهذا إكراهٌ مُلجئ يُبيحُ لك أن تقولَ كلمةَ الكفر.
ولا بدَّ أن تعلم أنَّ الإكراهَ ثلاثةُ أحوالٍ، حتَّى لا يلتبسَ عليك الأمرُ:
▪️ الحالة الأولىٰ: أن يقعَ الإكراهُ بالفعل، فيُضربَ فعلًا، نسألُ اللهَ العافية، فهذا قد وقع عليه الإكراه.
▪️ الحالة الثَّانية: ما يختلفُ فيه العلماء، وهو التَّهديدُ بالإكراه، وهذا واردٌ في نصوصٍ كثيرةٍ لأهلِ العلم؛ كأن يهدِّده بالسِّجن، أو يهدِّده بكذا، وبعضُ النَّاس لا ينتبهون إلى هذه الحال، فيظنُّون أنَّ مجرد التَّهديد إكراهًا – أي إذا هَدَّده :أي إذا وقَع الإكراه، ولذلك قال بعضُهم: لا إكراهَ في السِّجن أصلًا، وأنَّ السجن في حَدِّ ذاته ليس إكراهًا، وأنَّه لا بدَّ من الضَّرب، لأنه قال: إذا هَدِّده بالضرب وهو في محبسه، فظنَّ أن الضرب مرادف للحبس، وهذا غيرُ صحيح، لأنَّ التَّهديدَ شيءٌ آخر.
↻ وهناك روايتان مشهورتان عن الإمامِ أحمد، قال: إنَّ التَّهديدَ بالسجن لا يكونُ إكراهًا حتَّى يمسَّه شيءٌ منه. ومعلومٌ أنَّ الإمامَ أحمد رحمهُ الله، لما اختلف مع غيرِه من العلماء الَّذين قالوا بالقول في محنةِ خلقِ القرآن خوفًا من السَّيف، أنكر ذلك عليهم، وخاصمهم لشيئين —
⇐ الشئ الأول : إنَّ العالمَ عند المحن لا بد أن يَتَكلَّم، ولذلك لما قيل لسيِّد قطب رحمهُ الله: ما تقول في الحكم بغير ما أنزل الله؟ قال: كُفر – قالها مباشرة دون مُواراة – والذي يحكم بغير ماأنزل الله كافر.
↻ فقيل له: لِمَ لمْ تتلطَّف ولم تواري؟ فهؤلاء لن يتركوك إلا قتيلًا! فقال: إنَّ العالمَ المتبوع لايجوزُ له أن يترخَّص في المِحَن، لأنَّ النَّاس ينظرون إليه، فيجعلون قولَه دينا في المحن.
والإمامُ أحمد أنكر هذا المسلك، مع أنَّ بعضَهم تعرَّض للأذى، كعليِّ بنِ المدينيِّ رحمهُ الله، حين حُبس في بيتٍ مظلمٍ وخشي على بصرِه. الشاهد هنا: أنَّ يحيى بنِ معينٍ لمَّا دخل على الإمامِ أحمد ليَعوده وهو مريضٌ، حَوَّل وجهَه عنه، فقال له يحيى: ياأحمد - قال اللهُ تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾، واحتجَّ بحديثِ عمَّارِ بنِ ياسر. فلم يردَّ عليه الإمامُ أحمد. فقال الإمام يَحيى: والصُّحبةُ الطَّويلة، "فنحن أصحاب منذ زمن، تأتي ونختصم في آخرِ الأمر؟“ ثم خرج. فلما خرج، تبعه ابنُ الإمامِ أحمد، فسأل الإمام يحيى بن مَعين: ماذا قال الإمامُ أحمد بعد أن خرجت؟ ، فقال: إنَّ يَحيىٰ يحتجُّ بقولِ الله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾؟! ، ويحتج بحديثِ عمَّار، وقد قال عمَّار: مررتُ عليهم فسمعتُهم يسبُّوك، فسَبَبتُّهم، فضربوني“!
فكان استنباطُ الإمام أحمد رحمه الله أنَّ الإكراه لا يتحقق لمجرد التهديد، لأنَّ عمار بن ياسر رضي الله عنه ضُرِب، فلا بد من وقوع التهديد فعلًا. ولذلك عمار رضي الله عنه : لما ضُرِب، وقع عليه الإكراه بالفعل، فسبَّ النبيﷺ كما أمروه المشركين لدفع هذا الأذى والعقاب الأليم عنه. أمَّا من هُدِّد فقط – كحال الإمام 'يحيىٰ بن مَعين' فلم يتحقق في حقه حدُّ الإكراه.
2️⃣
ولهذا لمَّا الإمام عليِّ بنِ مُسهِر رحمه الله، وهو إمام عظيم، حتى قال يحيى بنُ معين: لو حدَّثتُ في بلدٍ فيها عليُّ بنُ مُسهرٍ لوجبَ عليَّ التأديب - أي أُئدَّب – لأنَّه كان له قدر عظيم.
فلما سُئل عليُّ بنُ مُسهر عن القرآن قال: كلامُ الله غيرُ مخلوق، ومن قال إنه مخلوق فهو كافر. فأُخذ وجُرَّ إلى موضع القتل، وأُحضِر السيف والنِّطْع - وهو سجاد مِن الجلد يُفرش تحت الذي سينفذ فيه القتل حتىٰ لايسيل الدم علىٰ الأرض، فلما رأى السيف مرفوعًا عليه تغيَّر حاله، وقال: القرآن مخلوق. فهُنا تحقق الإكراه.
⇇ فمن العلماء من استدل بهذه الواقعة على أن التهديد المجرَّد لا يُعد إكراهًا حتى يُباشَر الفعل، وهذا في رواية عن الإمام أحمد.
↻ فيَحيىٰ بن معين لم يقع عليه إكراه بالفعل، إنما هُدِّدَ فقط، وهذا لا يطابق الحديث – وكان هذا استنباط الإمام أحمد كما ذكرنا- فردَّ يحيىٰ بن معين قائلًا: "رَحمَ ﷲُ الإمام أحمد، أحمد إمامُ الدنيا. " ⇐لأنَّه استنبط استنباطًا قوِّيًا ودقيقًا.
وفي المقابل، وردت رواية أخرى مشهورة عن الإمام أحمد رحمه الله أنه قال: "التهديد بالإكراه إكراه."
⇇ المهم أنَّ المسألة الأولىٰ غير مُختلف فيها، فلو حدث الإكراه بالصورة المذكورة، كما قال بن رجب رحمه الله: وهي أنه إذا تحقق الإكراه بصورته الكاملة، فإن المكرَه يُعذر، ولا يُؤثم ، إذا قال القول لدفع القتل أو الأذى، لا رغبةً في القول نفسه. فهو لم يقل الكلمة لأنه يعتقدها أو يحبها، وإنما قالها دفعًا للضرر.
◄ وهذا فارق من الفوارق التي سنبيّنها لاحقا، كأن أجوز الديموقراطية وأقول لابد منها ، حتىٰ لو ترخصت، لما جاز لك قول ذلك.
ثم بُيِّن أن الإكراه ليس نوعًا واحدًا، بل ثلاثة أقسام:
▪️ الحالة الأولى: إكراه بالفعل.
▪️ الحالة الثانية: إكراه بالتهديد فقط، وفيه خلاف بين أهل العلم.
▪️ الحالة الثالثة: إكراه بالغير، كأن يُهدَّد بقتل ولده، إذ لم يفعل كذا، أو لم يقل كذا، وفيه أيضًا خلاف بين أهل العلم.
⇇ فبعضهم يقول : إن الإكراه لم يقع على نفس المُكَلَّف، فلا يكونُ إكراهًا.
⇇ وبعضهم يقولون: أنه إكراه لأنه يجعل الإنسان يضطر لأجل غيره.
وهذه مسألة ستفيدنا لاحقًا في تقييم قضية المحامي، عندما نتناولها كصورة من الصور المتفرِّعة مِن قضية الكفر بالطاغوت.
⛔ لا بد أن تعرف أن الإكراه ليس قسم واحد إنما هو ثلاثة أقسام، يجب التفريق بينها.
⬅️ وننبه إلى أن الإكراه: هو نوع عارضٌ من عوارض الأهلية، فإذا ثبت أو صَح أن يكون عارضًا كان مؤثرًا وعارضا في كلِّ الأبواب: فسيكون عارضا في الشرك والكفر البواح، عارضًا في العقود، عارضًا في الفسوخ، انتبه لهذه المسألة، لأنَّ هناك من أخطأ فيها وفرَّق فيه بين بين المسائل الظاهرة وغيرها، وإنما العبرة بتحققه من عدمه.
3️⃣
حسنًا، نريدُ أن نتكلَّمَ الآن عن مسألةِ التَّأويل.
فنحن قد انتهينا من تناول عارض الخطأ ، وبقي عندنا مسألةُ التَّأويلِ والجهل. وبعدَ أن نُنهيَ الحديث عنها – إن شاءَ اللهُ يا إخوة –فنحن قد درسنا جميع العوارض، سنبدأُ فنبيِّن: ما الذي يصلح مع الشِّركِ الأكبر، وما الذي لا يصلح؛ لأنَّنا ما زلنا نتحدَّثُ عن أصل الدِّين، وهي القضيَّةُ التي جَرَّتنا لكل هذا الكلام ، أعني قضيَّةَ أصلِ الدِّين، والكفر بالطَّاغوت، ومَن لم يُكَفِّرْ بالطَّاغوت، ما حُكمه؟
⇐ فقضية أصل الدين هي التي جَرَتنا لهذا الكلام، فلا تنسَ ذلك. فقد قلنا: إنَّ من لم يُكَفِّرْ بهذا الطَّاغوت فقد فَسَخَ لا إلهَ إلا الله، ونَقَضَها.
لكن السؤال الهام: ◄هل هذا علىٰ التَّعيين؟ أم علىٰ العموم؟ ◄ما حُكم مَن شَرَّعَ مع اللهِ عزَّ وجلَّ؟ وقد جئنا بنصوصِ أهلِ العلمِ الدالَّةِ على أنَّ مَن فعل ذلك فقد كَفَرٌ.
فقلنا: قد يقولُ قائلٌ إنَّ هذا كفرٌ مُطلق، أي إنَّه كُفر، لكن لا يقعُ الكفرُ على القائل بعينِه. فقلنا: لا، بل وقعَ عليه بعينِه، لأجلِ قصدِ العَين. وكانت الحلقاتُ السَّابقة كلُّها في بيانِ الموانع، لنُقرِّر قضيَّةَ العَين، وقضيَّةَ العوارض التي قد تُعارِض هذا العَين. فلا تنسَ هذا الباب، فإنَّه بابٌ مهمٌّ جدًّا.
▪️ عارضُ التَّأويل: التَّأويلُ :عارض مُتَفَرِّعٌ مِن عارض الإجتهاد؛ لأنَّه من عملِ المجتهد، إذ أنَّه يجتهدُ فيتأوَّل النَّص.
▬ لكن، ما هو التَّأويل؟
⇇ لنعلم ياأخوة أنَّ أصل التَّأويل لم يكن معروفًا في الأزمنةِ الأولى بالمعنى الذي تكلَّم به الأصوليُّون لاحقًا، ولا بالمعنى الذي استخدمه بعضُ الصِّفاتِية ونحوهم. بل كان التَّأويل قديمًا له معاني أخرىٰ – مثل: وقوعِ الأمرِ المتوعَّد به، كقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأوِيلَه﴾ …
ما معنى التأويل؟ وما المقصود به؟
التأويل: قد يُراد به وقوعُ ما توعَّد اللهُ به وذكره، وقد يُراد به التفسير: قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾، فيكون التأويل هنا بمعنى تفسيره. وقال النبيُّ ﷺ في دعائه لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «اللهم فقهه في الدين وعلِّمه التأويل»، أي: عَلِّمهُ تفسير القرآن.
⬅️ ثم جاء بعد ذلك معنى آخر دَرَجَ عليه الناس، وبدأ يقع فيه الكلام ، وهو المعنى الاصطلاحي الذي استعمله الأصوليون.
فما هو هذا التأويل الذي جاء بعد ذلك؟ يقول الأصوليون، كما في كتاب "روضة الناظر وجنةُ المُناظِر" لابن قدامة رحمه الله، واختصره الشنقيطي رحمه الله في" المذكرة في أصول الفقه" : " التأويل في اصطلاح الأصوليين هو: صرفُ اللَّفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى مُحتَمَلٍ مرجوحٍ بدليلٍ يدلُّ على ذلك."
فالتأويل عندهم: نقلُ اللفظ من معناه الظاهر المتبادر منه إلى محتمل مرجوح بدليل يدل على ذلك.
وقد قلنا إنَّ النصوص منها: الصريح، والمحتمل، والظاهر، والمُجمل. والظاهر :قد يكون نصًا أو دليلًا صريحا، وهو ما احتمل أكثر من وجه، لكن أحد هذه الوجوه أظهر وأقوى، وهو المتبادر إلى الذهن، وما عداه أضعف منه. فالمؤوِّل يترك هذا الوجه الراجح، ويذهب إلى الوجه المرجوح _الضعيف، وله أمثلة كثيرة.
ولِمَ يفعل ذلك؟ يقول: عندي دليل حملني على هذا. إذًا، فالتأويل ـ في اصطلاح الأصوليين ـ هو: صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى محتمل مرجوح بدليل يدل على ذلك.
4️⃣
▪️ فالتأويل له أنواع.
⇇ النوع الأول: التأويل الصحيح وهو الأصل، وهو صرف الظاهر إلى معنى محتمل غير مرجوح بدليلٍ قوي، فإذا كان الدليل قويًّا كان التأويل صحيحًا.
▬ وقبل أن أذكر النوعين الآخرين، أريد أن أُبيِّن معنى كلام العلماء: وهو صرف الراجح إلى المرجوح، أو صرف الظاهر إلى المحتمل بقرينة. فما الفائدة من ذلك؟ نستفيد منه في الشريعة كلها: أصولًا وفروعًا، فانتبه.
#ولذلك_قال_الشافعي رحمه_الله: الأصل في الأدلة الظاهرة أن تُؤخذ على ظاهرها، لكن قد يكون لها تأويل، وقد يكون لها فهم، وقد يكون لها تفريع، وقد يكون ذلك هو الرأي، لكن الأصل هو الظاهر.
◄ ولِمَ أذكر هذا الكلام؟ ذكرتُ هذا ليكون مدخلًا لما سيأتي عند الكلام على العوارض التي تطرأ في باب العقيدة؛ لأننا هناك نفرق بين ما يُجتهد فيه وما لا يُجتهد فيه. وقد قررنا أن الاجتهاد يكون في الفروع، ولا يكون في الأصول ولا في القطعيات، لأن القطعيات ظاهرة، نصوصها بيِّنة، لا تحتمل النزاع. وقد استُفيض في هذا الكلام في المجالس السابقة، فراجعها وانتبه لها. والسبب في ذلك: أن هذه القطعيات ظاهرة، نصٌّ، لا خلاف فيها. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ تريد أن يُجتهد فيها؟! ماذا يُقال؟!
⇇ ولذلك ذكرتُ لك في الدرس الماضي كلام الجلال المحلي رحمه الله في الورقات، وكذلك كلام الدمياطي في الحاشية على كلام المحلي. ↻ وطبعًا هذا الكلام ذكره ابن قدامة في المغني، وهو مذكور في روضة الناظر. وذلك حتى لا يقول بعض الناس: إن هؤلاء أشاعرة، فنجد عندهم ما يخالف أهل السنة. فهذا كلام لا ينفك، ولا يستطيع أحد أن يطعن فيه. وطبعًا في هذا إجماع، وسأذكر لك عند الحديث عن التأويل لاحقًا أن في هذه المسألة إجماعًا. فإذا تقرر ذلك، فالأصل هو الظاهر، فانتبه لهذا واحفظه؛ لأننا نتعامل في باب العقيدة.
▪️ إذًا عندنا تأويل صحيح: وهو أن يكون للتأويل دليل قوي غلب على ظنه فجعله يصرف الظاهر إلى المحتمل.
5️⃣
⇇ النوع الثاني: التأويل الفاسد أو البعيد
◄ وما معنى التأويل الفاسد أو البعيد؟ هو أن يُؤوَّل النصُّ الظاهر بدليلٍ يُتوهَّم أنه دليل، وليس في حقيقة الأمر بدليلٍ معتبر. فيُصرَف النص عن ظاهره إلى معنى مرجوح، فإذا نُظر في الدليل الذي استدل به وُجد أنه ليس بدليل، وليس بالقوة التي تُسوِّغ صرف الظاهر إلى المرجوح؛ لأن الأصل أن يُؤخذ الكلام بظاهره لا بباطنه. ↻ وهذا يُسمَّى التأويل البعيد أو التأويل الفاسد.
⇇ النوع الثالث: تأويل اللعب
◄ أي: إذا لم يكن التأويل صحيحًا، ولا فاسدًا، ولا بعيدًا، فما اسمه؟ اسمه لعب، ويفيد أنه عبثٌ لا اعتبار له.
وسأبيِّن لك بعد ذلك أن كثيرًا من التأويل في باب العقيدة كان لعبًا، ولا سيما في الكلام عن أصل الدين.
▬ قد عرفنا أنواع التأويلات، وهذه الأنواع يذكرها صاحب المراقي رحمه الله.
#يقول_صاحب_المراقي رحمه_الله في تعريف التأويل وتقسيمه: «حَمْلُ ظاهرٍ على المرجوح، وأُقَسِّمُه للفاسدِ والصحيح، صحيحه وهو القريب ما حُمِل مع قوة الدليل عند المستدل، وغيره الفاسدُ والبعيد، وما خلا فلعبًا يُفيد».
◄ وما معنى قوله: (وما خلا من ذلك)؟ أي: إذا لم يكن التأويل صحيحًا، ولا فاسدًا بعيدًا، فما اسمه؟ اسمه لعب، ويفيد أنه عبثٌ لا اعتبار له. قد يُقال: هذا كلامٌ بروتوكولي، وكلامٌ فقهي، نعم، لكننا نحتاج إليه هنا؛ حتى نفهم كيف يأتي بعض الناس اليوم بلفظٍ من الشريعة، فيضعه في غير موضعه، ويدخل به شبهة.
#وسنذكر_كلام_الشاطبي – وهو كالألماس – ماذا قال في هذه المسألة: ◄كيف خرجت البدعة؟ ◄وكيف دخلت التأويلات عليهم؟ ◄وكيف تدخل التأويلات على الإنسان من باب القضية العقلية التي فيها شيء من الشك، وخاصة في أصل الدين.
وسنبين ذلك – إن شاء الله – ونذكره بنصه كما ذكره الشاطبي رحمه الله.
▪️ المهم: هذا هو باب التأويل. فإذا جئنا – مثلًا – إلى التأويل الصحيح، نضرب له مثالًا مما يُذكر في مذكرات أصول الفقه: قول النبي ﷺ: «الجار أحقُّ بالشُّفعة». وهذا يفيد الإطلاق. فيُقال: إذًا أريد أن أبيع البيت، فلا بد أن أعرضه على جاري، وأفعل ذلك من باب البر والإحسان. فيُقال له: لا، لأن هذا الاحتمال مرجوح، وقد دلَّ عليه دليل، وهو قول النبي ﷺ: «إِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ، وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ، فَلَا شُفْعَةَ». فإذا كان استعمال الشفعة مطلقًا، فقد جاء دليلٌ آخر خصَّص هذا العموم. فهل الدليل في التخصيص قوي أم لا؟ قالوا: نعم، الدليل قوي، فيكون هذا مثالًا على التأويل القوي الصحيح.
6️⃣
#ولذلك_قال_الشنقيطي رحمه الله: «الاحتمال البعيد يحتاج إلى دليل قوي، كما مثلنا». حسنا، نأتي إلى الاحتمال الفاسد، أو التأويل البعيد: مثل قول النبي ﷺ لغيلان بن سليم الثقفي رضي الله عنه، وكان قد أسلم وتحته عشر نساء، فقال له النبي ﷺ: «أَمْسِكْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا، وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ».
#قال_الإمام_أبو_حنيفة رحمه الله: معنى قوله: (أمسك منهن أربعًا)، أي: ابتدئ عقدًا جديدًا عليهن، وكأن العشر كلهن خرجن عن النكاح، ثم يختار أربعًا ويعقد عليهن من جديد.
فقال العلماء: لا، بل العقد صحيح، ويبقى كما هو، ويُفارق الباقي. فردوا عليه وقالوا: هل هذا هو ظاهر النص؟ قوله ﷺ: (أمسك منهن أربعًا، وفارق سائرهن)، ظاهره: الإبقاء لا الابتداء. وأبو حنيفة قال: الظاهر هو المراد إعادة النكاح.
فقال العلماء: هذا ليس ظاهر اللفظ، وتوجد قرائن متعددة تدفعه: منها: أن النبي ﷺ قال: (أمسك)، ولو أراد ابتداء النكاح لما أمر الزوج بالإمساك؛ فالإمساك معناه: عدم الطلاق. ولو كان النكاح باطلًا، لما صح أن يقول له: أمسك. وكذلك ابتداء النكاح يشترط فيه رضا المرأة والولي والشهود، وهذا لم يُذكر، وهو حديث عهد بالإسلام، ولو أُريد ابتداء عقد جديد لبُيّنت شروطه. فدلَّ ذلك على أن العقد السابق صحيح، ولم يُنقض، فهذا مثال لما سماه العلماء تأويلًا بعيدًا.
والتأويل البعيد – يا إخوة – هل يثبت به الخلاف أو لا؟ هذا بحسب قوته وضعفه: ◄ فالخلاف قد يكون ضعيفًا. ◄ وقد يكون محتملًا. ◄ وقد يكون غير معتبر أصلًا.
#ولذلك_يقول_ابن_عبد_البر رحمه الله: «إذا صحت السنة فلا خلاف، والحمد لله رب العالمين.» فلا يُعتبر الخلاف حينئذٍ.
#ولهذا_قال_الشنقيطي_رحمه الله: «الاحتمال البعيد يحتاج إلى دليل قوي كما مثلنا، والاحتمال القريب يكفيه دليل يجعله أغلب على الظن من الظاهر، والمتوسط من الدليل للمتوسط من الاحتمال، ولكل مسألة من هذا ذوق خاص، والأحق بتفصيل ذلك الفروع.» ⇇ فقد يُقال في قولٍ ما: هذا قول ضعيف، لا يجوز الإفتاء به، وقد يُقال: هذا قول محتمل.
↻ وأما التأويل الفاسد، فلا يُعتبر أصلًا. وقد ضربوا له مثالًا بما قالته الشيعة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تَذۡبَحُوا۟ بَقَرَةٗ﴾، فقالوا: المراد بها عائشة رضي الله عنها! قبحهم الله، ولعنهم، وانتقم منهم. فهذا خرج عن حد التأويل، ولا يُعتبر أصلًا، وكأنه غير موجود، بل هو لعب محض. وسنأتي إن شاء الله بكلام العلماء في أن مثل هذا التأويل غير معتبر أصلًا، وكأنه لم يكن شيئًا.
7️⃣
▪️ تنبيهٌ أخير في مسألة التأويل
أريد أن أذكر أمرًا أخيرًا في مسألة التأويل؛ حتى نُنهي قضية التأويل.
⇇ قال: اعلم أن كلَّ مُؤوِّلٍ يلزمه أمران:
◄ الأول: بيانُ احتمالِ اللفظِ لما حُمِل عليه. فإذا جاء شخصٌ فَأوَّل، وسألته: لِمَ قلتَ هذا؟ فلا بد أن يقول لك: سأُبيِّن السبب. أولًا: لا بد أن يُثبت لك أن اللفظ الموجود ليس متعينًا على ظاهره، وأنه لذلك ترك الظاهر وانتقل إلى المعنى المرجوح. ↻ وهذا هو الأمر الأول: أن يبيِّن لك أن اللفظ يحتمل ما حُمِل عليه، وأن ما يقوله اللفظُ يقبله ويستوعبه.
◄ الثاني: إقامةُ الدليلِ الصارخِ على صرفه إلى المحتمل المرجوح. فإذا قلتَ له: ولماذا تقول بهذا القول؟ قال: لأن النصوص التي عندنا تحتمل هذا المعنى، كما ذُكر في مسألة الشُّفعة وغيرها. فتقول له: نعم، حسنًا، لكن كيف احتملت؟ فيقول لك: بدليلٍ معيَّن. إذًا لا بد أن يُقيم الدليل الذي جعله يصرف اللفظ إلى هذا المحتمل.
📌 قاعدة هامة: ومن هنا تعلم أن الكلام في القطعيات لا يصح فيه التأويل أبدًا؛ لأنها لا تحتمل غير معناها أصلًا. ولذلك لا يُعتبر فيها التأويل، وصاحبه على بدعة وخطر، كما سنُبيِّن إن شاء الله تعالى.
▬ والمهم: تعريف التأويل، وأنواعه، اجعلها حاضرة في ذهنك، إلى أن نأتي – إن شاء الله عز وجل – فننتهي من الكلام على العوارض كما ذكرنا. ثم ننتقل بعد ذلك إلى القضية التالية: ◄ وهي: أيُّ عارضٍ يمكن أن يُتصوَّر مع الشرك الأكبر؟ ◄ ومع الكفر بالطاغوت؟ ◄ وما العارض الذي قد يُذكر معه؟ سنبدأ بعرض هذه العوارض واحدًا واحدًا، وننظر: هل فعلًا ما يُقال من التأويل، والخطأ، والاجتهاد، و«لم أقصد»، و«لم أنتبه»… هل يصلح هذا؟ أم هو كلامٌ فارغ؟ لكنهم روَّجوه على العامة، واختلسوا به الشريعة، وفتحوا به بابًا عظيمًا، كما يقول الإمام أبو الوفاء ابن عقيل رحمه الله. وسننظر في هذا الكلام إن شاء الله تعالى في اللقاء القادم.
أسأل الله عز وجل أن يجعلني وإياكم ممن إذا دُعي بادر، وإذا نهي انتهى، وعقل مثواه فهُدي لنفسه. وأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، والحمد لله رب العالمين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
Uthini ngayo?
Abafundi bazo zonke izilimi zale ndatshana basabela lapha ndawonye.
Mayelana nombhali
USheikh Samir Mustafa ungumshumayeli wamaSulumane waseGibhithe u-Abu Abd al-Rahman Samir ibn Mustafa al-Suyuti. Wazalelwa e-Asyut Governorate ngo-1976 futhi wakhula futhi wachitha isikhathi esiningi sokuphila kwakhe edolobheni laseHelwan eCairo Governorate. Ukukhula Nokufuna Ulwazi Isifundo senkolo: Wazinikela ekufuneni ulwazi lwenkolo kusukela ebusheni bakhe futhi wafunda ezandleni zezikhulu eziningi ezihamba phambili zeSheikh kanye nezazi eGibhithe. Othisha bakhe abavelele kakhulu: Wafunda ngaphansi kukaSheikh Hasan Abu al-Ashbal al-Zuhayri, Sheikh Abu Ishaq al-Huwayni, noSheikh Muhammad Abd al-Maqsud, futhi wayengumngane oseduze futhi ohlala njalo kaSheikh Muhammad Hussein Yaqoub. Izinkulumo nezinkulumo: Waziwa ngesitayela sakhe sokukhuluma esivusa amadlingozi esasikhuluma ngokuqondile nabantu abasha, futhi wanikeza izinkulungwane zezintshumayelo nezifundo emasontweni aseCairo naseGiza nakwezinye izifunda zaseGibhithe. Izithakazelo zezazi: Enshumayelweni yakhe wagxila ekwakheni inkolelo enengqondo, ekufundiseni ukuphila komProfethi nomlando wamaSulumane, nasekukhuliseni umphefumulo. Uchungechunge olukhulu nemibhalo: Wakhiqiza uchungechunge oluningi oludumile lokuqoshwa kanye nezifundo, okuphawuleka kakhulu phakathi kwazo uchungechunge "Izimpi Ezinkulu ZesiSulumane", "Ukuphawula Ngama-Sura Amafushane", "Nezindaba ZabaProfethi", ngaphezu kokubheka imisebenzi eminingi nezincwajana zokufinyelela kweSulumane. Ukuboshwa: Umsebenzi wakhe wokushumayela wavinjelwa ngemva kokuboshwa ngo-2017 ngesikhathi ehamba eyofeza amasiko e-Umrah, futhi usehlale ejele kusukela ngaleso sikhathi.
Ukusekela
Siza ukukhokhela ukuhumusha okulandelayo
I-Turjuman ifundwa mahhala ngazo zonke izilimi eshicilela ngazo, futhi ayinazo izikhangiso. Ukuhumusha yingxenye edla imali. Uma lo mbhalo ubufanele isikhathi sakho, ungathumela okuthile ukusiza olandelayo.
USDT · Tron (TRC20)
TCxC8zmmK9fqDy7B4FbeNs2hXJkfMQ6vjc
Thumela kuphela uhlamvu lwemali oluqanjwe lapha, kunethiwekhi eqanjwe lapha. Imali ethunyelwe ngenethiwekhi engalungile ayikwazi ukubuyiswa muntu.
Ingxoxo
Ingxoxo eyodwa iqhubeka ngaphansi kwazo zonke izilimi zale ndatshana. Bonke abayifunde ngolimi isiZulu nabayifunde nganoma yiluphi olunye ulimi, bakhuluma lapha ndawonye.
Udinga i-akhawunti ukuze ujoyine. Kudingeka ikheli le-imeyili nephasiwedi, akukho okunye.
Akakho osekhulumile okwamanje. Ungaba owokuqala.