Zatím nepřeloženo do tohoto jazyka العربية
المجلس الخامس والسبعون
الحلقة الخامسة والسبعون
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله الذي لم يزل عليماً حكيماً، وصلى الله وسلم وبارك على محمد الذي أرسله ربه إلى الناس بشيراً ونذيراً، وعلى آل محمد وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد، فهذا مجلس جديد، أيها الإخوة، من مجالس "العروة الوثقى"، أسأل الله عز وجل —وهو ولي الإسلام وأهله— أن يمسكنا بالإسلام حتى نلقاه به.
••┈┈┈┈┈┈┈┈┈┈┈••
لا زال الحديث موصولاً عن شبهة "المصلحة والمفسدة" التي تذرع بها بعض مشايخ السوء لتجويز الدخول إلى البرلمانات واقتحام الشرك الأكبر، زاعمين أن في ذلك تحقيقاً لمصلحة، أو تكثيراً للخير وتقليلاً للشر، أو درءاً للمفسدة، بل إن بعضهم عبّر صراحة بجواز فعل الكفر لأجل المصلحة، وكما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله.
⇐ إن هذا التعبير، أي "المصلحة"، كان لابد لنا من تأصيله تأصيلاً شرعياً لنعلم إن كانت هذه المصلحة معتبرة أم ملغاة، وما هو ضابطها أصلاً.
↻وكما افتتحنا في اللقاء الفائت، فإن المصلحة لا تُدرك بمجرد العقل مطلقاً؛ فادعاء أن هذا الفعل جائز لأن مصلحته راجحة أو مفسدته مرجوحة يجب أن يكون مستنداً إلى إشارة شرعية وتحت نظر الشرع، لا تحت نظرنا وميولنا نحن.
◄ ولأجل ذلك ذكرنا سابقاً كلام شيخ الإسلام ابن تيمية —رحمه الله— حين بيّن أن شرب الخمر، والفواحش، والزنا، والسرقة، كلها تشتمل على مصالح ولذات لفاعلها بلا شك، ولكنها بالنظر الشرعي مصالح ملغاة لا قيمة لها، والواجب إهمالها وتحمل ما يترتب على تركها.
⇐وعلى هذا النهج، يقول الإمام الشاطبي —رحمه الله— في حديثه عن الأحكام التكليفية، "إن الشارع وضع الشريعة على اعتبار المصالح باتفاق الأمة، فالشريعة إنما جاءت لجلب المصالح ودرء المفاسد. "
#وهنا_نذكر ما نقله الإمام ابن القيم —رحمه الله— في "إعلام الموقعين" عن العز بن عبد السلام؛ إذ قرر أن كل أمر تترتب عليه مصلحة فهو مأمور به شرعاً وفيه خطاب شرعي، وكل أمر فيه مفسدة فهو منهي عنه.
↻لكن الإشكالية تكمن فيمن يأخذ هذا الكلام ويفصل المصلحة والمفسدة بناءً على هواه وما يشعر به عقله؛ فلو تركنا الأمر لعقول البشر لهدمنا الشريعة كلها، لأن ما تراه أنت مصلحة عظيمة قد يراه غيرك مفسدة محضة، وكما قيل في قريض الشعر: "مصائبُ قومٍ عند قومٍ فوائدُ".
#لذلك_قرر_الإمام_الشاطبي أن المصالح المعتبرة في الشرع هي الكليات دون الجزئيات؛ أي أن الأمر لا يكون مصلحة شرعية معتبرة إلا إذا كان محافظاً على كليات الإسلام الضرورية الخمس، وهي: الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال.
◄ وأول هذه الضروريات وأعلاها رتبة ومقدماً على كل ما سواه هو "الدين".
↻وهنا يقولون أن الحجة ظهرت علينا؛ فهم يقولون إنهم دخلوا في الديمقراطية والبرلمانات لحماية الدين وتحكيمه فنقول لهم: إنكم بدخولكم في العملية الديمقراطية قد أشركتم بالله عز وجل، وجعلتم الحكم للأغلبية لا لله تبارك وتعالى، ودخلتم في دين جديد ليس هو دين الإسلام.
‼️ فكيف تزعمون الحفاظ على الدين برخصة أدت إلى هدم أصل الدين بالشرك؟! إنكم لم تحافظوا على الكليات الضرورية، بل هدمتم أهمها وهو التوحيد.
ومن هنا يتضح تهافت الفتوى القائلة بأن "الواقع قد تغير"؛ إذ تضارب هؤلاء المشايخ وتناقضوا بشكل عجيب؛ فتارة يقولون إن الديمقراطية كفر، وتارة يقولون إن الواقع تغير ولابد من الدخول خشية أن يستفرد بها العلمانيون.
↻ وكانوا يرددون شعارات من قبيل "إن عقارب الساعة لن ترجع إلى الوراء، ولن تعود مصر خطوة إلى الخلف"، ليتبيّن في النهاية أن كل هذا الكلام لم يكن سوى ديباجات منمقة وكلمات مستحسنة في العقل، لكنها بعيدة كل البعد عن الأصول الشرعية والاتكاء على الخطاب الصحيح المنبثق من أصول الدين، وهذا هو عين الضلال مع شديد الأسف والحزن، ولا ينبغي أبداً أن يكون الكلام في أصول الدين وعقائد الأمة بمثل هذه الطريقة الواهية.
2️⃣
#ولأجل_هذا_قرر_الإمام الشاطبي —رحمه الله— القاعدة الشرعية المتفق عليها ومفادها أن المفسدة إذا أربت على المصلحة وزادت عليها فالحكم للمفسدة ويكون الدرء مقدماً، وقرر في قاعدة أخرى أن المفاسد كلها ممنوعة في الشريعة، وأن أكبر المفاسد على الإطلاق وأعظمها جرمًا هو الشرك بالله؛ فالشرك لا يمكن أن تترتب عليه مصلحة معتبرة مطلقاً، وهذا هو مقتضى تشريع الله سبحانه وتعالى وحكمته؛ فكل مصلحة تظنها قد أتت من طريق الشرك فهي ملغاة ساقطة من حيث النظر الشرعي، ويجب على كل مسلم أن يكون مؤمناً بهذا الأصل يقيناً، فكما أن الله حرم المضار ولم يأمر بها عز وجل، فإنه لم يجعل في الشرك نفعاً.
⇐ويؤكد هذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيمية —رحمه الله— فيما نقله عنه الإمام ابن مفلح الحنبلي في كتابه "الآداب الشرعية" حيث يقول: "فمن كمال نعمته وإحسانه إلى عباده أن يمنع تحصيل مطالبهم بالشرك، حتى يصرف قلوبهم إلى التوحيد".
↻وبناءً على هذا، فإن أي دعوى بوجود مصلحة تُنال عبر اقتحام الشرك الأكبر هي دعوى باطلة وفاسدة من حيث النظر الشرعي مهما رآها صاحبها بعينه مصلحة، فالشرع لم يشرع قط أن يكون الشرك سبيلاً لتحقيق المصالح، ومن ثم فإن تلك الفتاوى التي تجيز الدخول في البرلمانات الشركية بدعوى المصلحة هي فتاوى منقوضة واهية من كل وجه وموضع.
#وفي_هذا_السياق، يقول الإمام ابن رجب الحنبلي —رحمه الله— في كتابه "جامع العلوم والحكم" عند شرحه لحديث "لا ضرر ولا ضرار": ومما يدخل في عموم قوله ﷺ "لا ضرر" أن الله لم يكلف عباده فعل ما يضرهم البتة، وكلمة "البتة" هنا تعني بالإجماع كما نص على ذلك الدكتور عبد الله دراز في حاشيته على "الموافقات"؛ فهو أمر مبتوت ومجمع عليه أن الله لم يكلف عباده ما يضرهم البتة، فإن ما يأمرهم به هو عين صلاح دينهم ودنياهم، وما نهاهم عنه هو عين فساد دينهم ودنياهم، كما أنه سبحانه لم يأمر عباده بشيء يضرهم في أبدانهم أيضاً من حيث النظر الشرعي المحض، فإن اعترض معترض بأمر الجهاد وما فيه من إتلاف للأبدان، فقد سبق بيان أن العبرة بما ينص الله عليه، فإذا نص الشارع على أن الجهاد مصلحة، فإن ما يقع فيه من ضرر بدني يصبح ملغى في ميزان الشريعة أمام المصلحة العظمى لحفظ الدين، وتلك قواعد جليلة ينبغي ألا تغيب عن الأذهان حتى لا يدخل الناس في الشرك الأعظم بسبب نسيان الأصول وقصور ضبط الكلام على القواعد الشرعية.
#وإذا_انتقلنا_إلى_كلام الإمام الشاطبي —رحمه الله— في تكييف "الرخصة" التي يتذرع بها هؤلاء، نجد أنه يضع فاصلاً دقيقاً؛ حيث يقول في وصف الرخصة مبيناً مسألة أكل الميتة للمضطر في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ إن كونه مقتصرًا به على قدر الحاجة خاصةً هو من خواص الرخص، وهذا هو الفاصل بين ما شُرع من الحاجيات الكلية وما شُرع من الرخص؛ فإن شرعية الرخص جزئية يقتصر فيها على موضع الحاجة فقط، ويدلل على ذلك بأن المصلي إذا انقطع سفره وجب عليه الرجوع إلى الأصل من إتمام الصلاة والالتزام بالصوم، والمريض إذا قدر على القيام في الصلاة لم يجز له أن يصلي قاعداً، وكذلك سائر الرخص؛ فالحاصل أن العزيمة راجعة إلى أصل كلي ابتدائي، والرخصة راجعة إلى جزئي مستثنى من ذلك الأصل الكلي.
↻وعليه، فلا يصح بحال من الأحوال أن يأتي آتٍ ليجعل الرخصة أمراً كلياً عاماً يطالب فيه ملايين البشر باقتحام الشرك وعمل الكفر، فالرخصة في الشريعة جزئية محصورة في واقعة عين تقتصر على موضع الحاجة والاضطرار الملجئ، ومثال ذلك ما وقع لآل ياسر؛ ياسر وعمار وأمه سمية رضي الله عنهم جميعاً، فبينما كان النبي ﷺ يمر عليهم وهم يُعذَّبون ويقول لهم: "صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة"، نزلت الرخصة بعد ذلك في سورة النحل في حق من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان، فكانت رخصة مخصوصة في حق أفراد بخصوصهم وقع عليهم الإكراه الملجئ والتعذيب الشديد، وليست تشريعاً كلياً عاماً يُدعى إليه الناس لدخول البرلمانات الشركية واقتحام الكفر بدعوى المصلحة السياسية أو الدعوية.
3️⃣
📌 إن الخطورة تكمن في أن يتحول هذا المسلك التنازلي إلى تشريع عام يُفتى به لجماهير الناس، حتى يصبح أمراً ثابتاً ومدوناً ومألوفاً لديهم؛ فالمؤسف اليوم عند الكلام في مسألة الوسائل هو غياب النكير، حتى إنك إذا جئت لتحدث أحدهم بأن الديمقراطية ناقض صريح من نواقض الإسلام، واجهك ببساطة وبرود كأنه لا يدرك حجم هذه الإهانة الكبرى لجناب التوحيد، وصار الأمر يمر على عقولهم دون استعظام أو مبالاة.
↻ولبيان تهافت هذا المسلك، ينبغي أن نتأمل نصاً آخر جليلاً للإمام الشاطبي —رحمه الله— في كتاب "الموافقات"، حيث يعقد بياناً في غاية الأهمية يوضح فيه مراتب مقاصد الشريعة، وهي ثلاثة مطالب: الضروريات، والحاجيات، والتحسينيات.
⇐فالضروريات هي الكليات الخمس المتفق عليها (وهي حفظ الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال)،
⇐ أما الحاجيات والتحسينيات فإنما شُرعت لتكون خادمة وحارسة لهذه الضروريات ومسخرة لحمايتها.
#ويقرر_الشاطبي في "البيان الخامس" هذا الأصل العظيم بقوله:
"وهذا كله يظهر أن المقصود الأعظم من المطالب الثلاثة المحافظة على الأول منها وهو قسم الضروريات، ومن هنالك كان مراعًى في كل ملة بحيث لم تختلف فيه الملل".
📍إن هذه الضروريات الخمس هي أصول الأديان وقواعد الشرائع وكليات الملة التي اتفقت عليها جميع الرسالات وإن اختلفت في الفروع، وعلى رأس هذه الضروريات وأعلاها رتبة هو الدين.
فإذا كان كل أمر في الشريعة مسخراً وموجهاً لحفظ الدين، وكان الشرك الأكبر معناه هدم الدين من أساسه؛ فكيف يُعقل أن يكون اقتحام الشرك خياراً مسموحاً به لحفظ الدين؟! ولهذا لو نظرت في التاريخ كله، فلن تجد عالماً واحداً من علماء الأمة المعتبرين أفتى بجواز الكفر أو الشرك لأجل مصلحة دعوية أو سياسية مهما بلغت حالة الفوضى أو الانحلال في الأمة، لأن الشرك ينقض أصل الملة، ولا يمكن أن يكون وسيلة للإصلاح، فضلاً عن أن يُجعل مقدماً على الطاعات أو يُساوى بفضيلة قيام الليل كما يزعم بعض السجوف في زماننا.
⇐وفي المسألة الخامسة من باب المصالح والمفاسد، يضع الإمام الشاطبي ضابطاً حاسماً يقطع دابر هذه الشبهة من ريشها، حيث يقول:
"الإيمان مطلوب بإطلاق، والكفر منهي عنه بإطلاق، فدلت جهة المفسدة بالنسبة إلى طلب الإيمان، وجهة المصلحة بالنسبة للنهي عن الكفران، أنها غير معتبرة شرعاً وإن ظهر تأثيرها عادة وطبعاً".
وتأويل هذا الكلام المحكم أن التوحيد والإيمان مطلوبان لذاتهما وبإطلاق، والكفر والشرك منهي عنهما بإطلاق؛ فإذا ترتبت مفسدة دنيوية على طلب الإيمان والتمسك به والجهاد لإعلاء كلمة الله وإزالة الحكومات المرتدة التي تحكم بغير ما أنزل الله —كأن يُقتل المرء أو يُعذب في ذات الله— فإن هذه المفسدة الدنيوية ملغاة في ميزان الشرع لا اعتبار لها، بل يُؤجر صاحبها ويكون شهيداً.
فنسأل الله عز وجل أن يرزقنا شهادة في سبيله، مقبلين غير مدبرين، وأن يجعلنا صادقين في طلب الشهادة.
↻وفي المقابل، إذا ظن ظانٌّ أن هناك مصلحة دنيوية ستتحقق من وراء الكفر أو الشرك —كأن يستقر له وضع سياسي، أو تنعم البلاد برخاء مادي كما يُرى في بعض النماذج المعاصرة كدولة أردوغان حيث يعيش الناس في رغد دنيوي بينما الدين يضيع— فإن هذه المصلحة تكون ملغاة شرعاً ولا قيمة لها البتة وإن ظهر تأثيرها في العادة والطبع؛ لأن ضياع الدين وهدم التوحيد لا يجبره أي صلاح دنيوي.
ـــ ولهذا، إذا جاءك من يتحدث عن المصلحة السياسية وهو يلغ في الكفر البواح والشرك الصراح، فقل له: اسكت خالص! فكلامك باطل ساقط لا ينفق في سوق الشريعة؛ إذ لا مصلحة مع الكفر البواح والشرك الصراح، فهذا من أصول الدين.
#وقد_قرر_الإمام_الشاطبي كذلك في فصل الأمر الشرعي أن الأصل في الإذن بالمنافع والمنع من المضار إنما مرجعه التام والوحيد إلى الشرع لا إلى عقول البشر وأهوائهم.
⇐ والجهل بهذه الأصول الدقيقة هو الذي يفتح الباب للفتن والمداهنات؛ تماماً كما فعل أنور السادات حينما أراد أن يصنع ما يسمى بـ "السلام الدائم"، فأبرم معاهدة باطلة شرعاً وضيع بها محكمات الشريعة بدعوى المصلحة السياسية وحقن الدماء.
فكل مصلحة تصطدم بنصوص الوحيين وقواعد الدين الكلية هي مصلحة وهمية ملغاة، وعوارها ظاهر لكل ذي عينين، والسبيل الوحيد للرد على هذه الفتن هو ضبط المسائل بالقواعد الشرعية المحكمة.
4️⃣
وقد تكلم في تلك المعاهدة مجمع البحوث الإسلامية والأزهر الشريف في حينها، وقرروا أنها معاهدة باطلة لا أمل يرجى منها كونها قامت على أشلاء الآخرين، وهو أمر سنتطرق إليه بالتفصيل عند بلوغنا باب الجهاد إن شاء الله تعالى.
↻ولم يكن أحد من أهل العلم المعتبرين يعتد بمثل هذه المعاهدات؛ ولذا فإن ما كان يتبجح به حسني مبارك إبان ضرب المسلمين في غزة، حين كان يبرر قعوده وخيانة الأمة بقوله: "بيننا وبينهم معاهدات"، واستشهاد بعض المنهزمين بنصوص العهود كقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، هو استدلال ساقط باطل؛ لأن هذه المعاهدات باطلة في أصلها لما تضمنته من التعدي على المسلمين ومظاهرة الكفار عليهم، وهو ما يمثل نقضاً عيناً للعهد لو فُرضت صحته جدلاً، إذ هؤلاء هم رؤوس الكفر الذين قال الله سبحانه وتعالى فيهم: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ۙ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾.
📍إن الأصل المقرّر في الشريعة والذي يعرفه طلاب العلم هو أن «الأصل في المنافع الإذن، والأصل في المضار المنع»، ولكن الشأن كل الشأن في ضبط مفهوم المنفعة والمضرة؛ فالمنفعة المعتبرة هي المنصوصة بنظر الشرع، والمضرة الممنوعة هي المقررة بنظر الشرع كذلك، وليس ما يراه الإنسان بعقله القاصر، أو يشعر به بمقتضى عادته وطبعه الحسي.
◄ فالأفكار البشرية تختلف وتتباين، والمنافع والمضار الدنيوية أمور إضافية نسبية وليست حقيقية مطلقة، فقد يكون الشيء ضاراً لزيد نافعاً لعمرو، كمثل رجل يمسك بالمطرقة فيعمل بها طوال النهار ولا يصيبه شيء، بينما يمسك بها آخر فتتنفط يداه ويصيبه الأذى والفقاعات؛ ولأجل هذا التباين والنسبية كانت الرخص الشرعية أحكاماً جزئية منوطة بوقوع الضرر الفعلي على الشخص المعين، فإذا وقع له الضرر رخصنا له، وإذا لم يقع بقي على الأصل. وبناءً على هذا، لا يصح بحال من الأحوال أن يُجعل الضرر النسبي أو الاحتياج الدنيوي مسوغاً لإصدار فتاوى كلية عامة عبر وسائل الإعلام والمؤتمرات تطالب عموم الأمة باقتحام الشرك الأكبر بدعوى تحصيل المصالح أو تقليل الشرور، فالضابط الوحيد لتقدير المنافع والمضار هو الاعتبار الشرعي لا غير.
وهذا يسوقنا إلى رد الفتن بهذه النصوص القوية للأئمة الأعلام؛ حيث ينص الإمام الشاطبي —رحمه الله— على أن «العادة تحيل استقلال العقول في الدنيا بإدراك مصالحها ومفاسدها على التفصيل».
فلا يمكن للعقل البشري أن يستقل بمعرفة وجه المصلحة الحقيقية دون هداية الوحي.
كما قرر في المسألة العاشرة من نفس الموضع قاعدة جليلة مفادها أنه «لا اعتبار لمعارضة الجزئيات للكليات»؛ فكليات الشريعة الثلاث (الضروريات والحاجيات والتحسينيات) إذا شُرعت لحفظ مصالح خاصة بها، فإنها مصالح ثابتة لا يرفعها ولا يبطلها تخلف آحاد الجزئيات.
⇐فإذا كان حفظ الدين كلياً عظيماً وجب لأجله الجهاد، فإن ما يقع في الجهاد من قتل للأنفس (وهو ضرر جزئي يلحق بالبعض) لا يرفع الكلي ولا يعارضه، لأن حفظ الدين مقدم على حفظ النفس، والمهم الأعظم هو صيانة أصل الدين وقواعد الملة.
إن مقصود الشارع الأعظم في المسألة الثامنة هو إخراج المكلف عن اتباع هواه حتى يكون عبداً لله اختياراً كما هو عبد لله اضطراراً.
وقد علق الدكتور عبد الله دراز في حاشيته على "الموافقات" نقلاً عن صاحب التحقيق بأن حفظ الدين إنما يكون بوجوب الجهاد وعقوبة الداعي إلى البدعة، وأن الاعتبار الشرعي في الرخص والمصالح إنما يتوجه إلى حفظ أصول الدين وأصل الملة، لا إلى هدمها وتسييبها.
وبناءً عليه، فلا يمكن أن يكون حفظ الدين بالوقوع في الشرك الأكبر الذي ينقضه من أساسه، ولا يجوز لأحد أن يخترع مصطلحات محدثة من تلقاء نفسه كـ "تقليل الشرور" ليميع بها ثوابت الأحكام؛ فالألفاظ الشرعية واضحة كـ "حكم الجاهلية" و"حكم الإسلام"، ومن عجز عن رد الفتن إلى أصولها الشرعية تاه في بحار الآراء والمصالح الموهومة.
ولذلك قال في المسألة العاشرة من الموضع نفسه: لا اعتبار لمعارضة الجزئيات للكليات. فيقول: هذه الكليات إذا كانت قد شُرعت للمصالح الخاصة بها، فلا يرفعها تخلف آحاد الجزئيات. بناءً على هذا، حينما نقول: إننا نريد حفظ الدين، فيقول قائل: ولكن المرء قد يُقتل في الجهاد! فماذا نقول له؟ نقول له: لا، هذا أمر جزئي لا يُعتدُّ به في معارضة الكلي، أو نقول إن حفظ النفس -وإن كان كلياً- لا ينهض أن يكون في مقابل حفظ الدين؛ فهذا غير ممكن أبداً، ومن ثَمَّ يكون هذا الاعتراض غير معتبر، والمهم والأصل هو الحفاظ على الدين.
وقال أيضاً في المسألة الثامنة: إن المقصود إخراج المكلف عن اتباع هواه. ثم قال الدكتور دراز في الحاشية: قال صاحب التحرير: إن حفظ الدين يكون بوجوب الجهاد وعقوبة الداعي إلى البدعة، وذكر أن اعتبار الدين ليس مطلقاً، وإنما هو اعتبار أصل الدين أو اعتبار أصول الدين.
5️⃣
فحينما ننظر هنا إلى هذه الكلمة -وانتبهوا لذلك يا إخوة- نجد أن الحفاظ على الدين يكون بوجوب الجهاد وعقوبة الداعي إلى البدع؛ لتعلم أنك لكي تحافظ على الدين، ينبغي ألا تقع في الشرك الذي يهدمه، بوصفه الدين الرسمي.
إن من يبتغي الحفاظ على الدين وصيانته من الهدم، ومن البدع الداخلة عليه، فإن سبيله الحق هو الجهاد في سبيل الله عز وجل.
#ويقول_الإمام_الشاطبي —رحمه الله— في بيان المقصد الشرعي من وضع الشريعة ودخول المكلف تحت أحكامها، إن مقصد الشارع الأساسي هو إخراج المكلف من داعية هواه، حتى يكون عبداً لله اختياراً كما هو عبد لله اضطراراً.
⇐ والدليل على ذلك قاطع من النصوص الصريحة الدالة على أن العباد إنما خُلقوا للتعبد لله عز وجل، والانقياد لأمره ونهيه، كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾، وقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
↩️ فالمسألة برمتها راجعة إلى وجوب الرجوع إلى الله في جميع الأحوال، والانصياع لأحكامه في كل شأن، وهو الجوهر الحقيقي لمعنى التعبد لله تبارك وتعالى.
✐ وتأسيساً على هذا، فإن المرجع في العبادة إنما يكون لحكم الله وإذنه ونظره الشرعي، لا لاقتحام الشرك الأكبر.
#وقد_قسّم الشاطبي العوائد المستمرة بين الناس إلى قسمين؛
⇐أولهما عوائد جرى بها حكم شرعي إيجاباً أو ندباً أو كراهة أو تحريماً،
⇐وثانيهما عوائد لم يأتِ فيها حكم شرعي مخصوص.
↻ فأما القسم الأول فهو ثابت دائم لا يتبدل كسائر الأحكام الشرعية، ومثاله ما تعارف عليه الناس وتقرر في الشرع من سلب العبد أهلية الشهادة في مواضع مخصوصة، ووجوب ستر العورات، وما شاكل ذلك من العادات الجارية التي وسمها الشارع بالحسن أو القبح؛ فهذه كلها داخلة تحت الأحكام المستقرة، ولا يصح تبديلها مهما اختلفت آراء المكلفين وتغيرت أهواؤهم.
فلو استحسن الناس في زمن ما شيئاً محرماً، فإن استحسانهم لا يغير من حكم الحرمة شيئاً، ولا ينقلب القبيح حسناً ولا الحسن قبيحاً بمجرد تتابع العادات؛ فلا يسوغ أن يُقال إن قبول شهادة العبد تأباه محاسن العادات المعاصرة فلنجزه، أو إن كشف العورة لم يعد مستقبحاً اليوم فلنبحْه؛ إذ لو فُتِح هذا الباب لكان نسخاً للأحكام المستقرة الثابتة، والنسخ بعد موت النبي ﷺ باطل بإجماع الأمة، وعليه فإن رفع العوائد الشرعية وتبديلها باطل ممتنع.
وإنما نسوق هذا التأصيل رداً على أولئك الذين إذا سُئلوا عن سبب اقتحامهم للشرك ودخولهم في البرلمانات الطاغوتية، اعتذروا بعبارة واهية قائلين: "إن الوضع قد تغير".
فالعجب كل العجب، هل إذا تغير الوضع والحال تتغير حقيقة الشرك التوحيدي أو تتبدل أحكام الكفر؟! ويحاول بعضهم التعلل بقاعدة أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان مع ثبات الحكم، ونقول له: إن الفتوى إنما تتغير لعروض عارض شرعي يطرأ على المكلف فيوقف علة الحكم الأصلي مؤقتاً في حق عينه، كحرمة شرب الخمر التي يطرأ عليها عارض المرض أو التداوي عند من أجازه، أو دفع الغصة، فيُرخص للمكلف حينئذٍ لوجود هذا العارض المحدد؛ فالعارض يدخل على علة الحكم فيرفعها مؤقتاً في واقعة عين جزئية، وليس حكماً كلياً يُهدم به أصل الملة.
‼️فأين العارض الشرعي المعتبر الذي يبيح لملايين المسلمين اقتحام الشرك الأكبر؟! إنهم يدعون الاضطرار، بيد أن العلماء ضبطوا قاعدة "الضرورات تبيح المحظورات" بستة ضوابط شرعية صارمة سلف ذكرها، وهي منعدمة تماماً في واقعهم السياسي، ولا يبيح اقتحام الكفر والشرك إلا عارض الإكراه الملجئ المستوفي لشروطه الشرعية.
#ويتابع_الإمام_الشاطبي تقريره بأن العوائد المستمرة المعتبرة شرعاً لا يقدح في كليتها وثباتها انخراقُها وزوالها في بعض الجزئيات، وإنما ينظر في هذا الانخراق؛ فإن كان ناشئاً عن عذر من الأعذار المعتادة والمعتبرة في حياة الناس، فإن الموضع يصبح حينئذٍ محلاً لورود الرخصة الشرعية الجزئية.
والمقصود الجامع من هذه القواعد والأدلة هو ترسيخ أن المصالح والمفاسد لا تؤخذ من عقول البشر وتخرصاتهم، بل هي حق شرعي محض مبني على الوحي، ولا مدخل للعقل في الاستقلال بتقديره بعيداً عن نور الشريعة.
ونكتفي بهذا القدر الوجيز في مجلسنا هذا التزاماً بمنهج اللقاءات قصيرة المدى لسهولة مأخذها وضبط مسائلها، سائلين الله عز وجل أن يجعلني وإياكم ممن إذا دعي بادر وإذا نُهي انتهى، وعقل مثواه فهدى لنفسه، وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
Co na to říkáte?
Čtenáři všech jazykových verzí tohoto článku reagují tady společně.
O autorovi
Šejk Samir Mustafa je egyptský islámský kazatel Abu Abd al-Rahman Samir ibn Mustafa al-Suyuti. Narodil se v Asyutské guvernérii v roce 1976 a vyrůstal a strávil většinu svého života ve městě Helwan v Kairské guvernérii. Vzdělávání a usilování o poznání: Od mládí se věnoval hledání náboženských znalostí a studoval u řady předních šejchů a učenců v Egyptě. Jeho nejvýznamnější učitelé: Studoval pod šejkem Hasanem Abu al-Ashbal al-Zuhayri, šejkem Abu Ishaq al-Huwayni a šejkem Muhammadem Abd al-Maqsudem a byl blízkým a stálým společníkem šejka Muhammada Husseina Yaqouba. Prikázání a vědecká činnost kázání a přednášky: stal se známým pro vzrušující oratorický styl, který mluvil přímo s mladými lidmi, a vydal stovky kázání a lekce v mešitách v Káhiře a Gize a v několika dalších egyptských guvernérstvích. Vědecký zájem: Ve svém kázání se zaměřil na budování zdravého víry, na vyučování života proroka a islámské historie a na kultivaci duše. Hlavní sérii a psaní: Vytvořil mnoho známých nahrávaných sérií a lekcí, hlavně mezi nimi sérii "Velké bitvy islámu", "Komentář na krátké sury" a "Prokývky proroků", kromě dohledu nad řadou děl a brožur o islámském šíření. Zatčení: Jeho veřejná kazatelská činnost se zastavila poté, co byl v roce 2017 zatčen, když odjížděl na cestu, aby vykonával obřady umry. Od té doby zůstává ve vězení.
Podpora
Pomozte zaplatit další překlad
Turjuman se dá číst zdarma v každém jazyce, v němž vychází, a nenese žádnou reklamu. Peníze stojí překlad. Jestli vám tento text stál za čas, můžete přispět na další.
USDT · Tron (TRC20)
TCxC8zmmK9fqDy7B4FbeNs2hXJkfMQ6vjc
Posílejte jen minci uvedenou zde a jen sítí uvedenou zde. Převod poslaný přes špatnou síť už nikdo nezachrání.
Diskuse
Pod všemi jazykovými verzemi tohoto článku běží jediný rozhovor. Ti, kdo jej četli v jazyce Čeština, i ti, kdo jej četli v kterémkoli jiném, si tu povídají společně.
Abyste se mohli zapojit, potřebujete účet. Stačí e-mailová adresa a heslo, nic víc.
Zatím nikdo nic neřekl. Můžete být první.