Spring na die artikel
Turjum n

Uitgeligte tale het hierdie artikel; die res open daardie taal se tuisblad.

Nog nie in hierdie taal vertaal nie العربية

The Firmest Handhold

المجلس الخمسون

Meld aan om te rapporteer Ook in een taal 54 kyke Begin die gesprek

​الحلقة الخمسون

​✦ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ✦

​الحمدُ للهِ الذي لم يزلْ عليمًا حكيمًا،

وصلى الله وسلم وبارك على محمدٍ الذي أرسله ربُّه إلى الناس بشيرًا ونذيرًا،

وعلى آل محمد وصحبه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

──────────────────

✧ أما بعد ✧

فهذا مجلسٌ جديد، أيها الإخوة، من مجالس "العروة الوثقى".

نسأل الله عز وجل، وهو وليُّ الإسلام وأهله، أن يُمسكنا بالإسلام حتى نلقاه به.

​لقد انتهينا من الكلام عن العوارض الأهلية وناقشناها جميعًا، وطابقناها بالواقع بعد أن ذكرنا حدودها وضوابطها.

فقد تكلمنا عن قضية الخطأ في الاجتهاد، وبيَّنا أنه لا يصح في المسائل القطعيات، ولا في المسائل الظاهرة، ولا مع الشرك الأكبر؛

​فالتأويل لا مدخل له في الشرك الأكبر أبدًا، ولا دخل له في التوحيد مطلقًا كما ذكرنا؛ إذ كيف نعدل عن النص الواضح الظاهر إلى المحتمل بقرينة؟ وما هي هذه القرينة أصلاً؟

وكيف نأتي إلى كلمة «لا إله إلا الله» فنصرفها عن ظاهرها؟ إن هذا أمرٌ غيرُ ممكن.

​✦ ولذلك، لا سبيل للتأويل لمن يعتذرون للمشركين بالتأويل؛ فهذا خطأ جسيم جدًا، وكأن المرء لا يستطيع حتى إدراك مقتضى كلمة «لا إله إلا الله».

──────────────────

✧ عندنا قضية التأويل، وقضية الخطأ الناجم عن الذهول، وهذا أيضًا قد فصَّلنا القول فيه.

​وأود أن أنبهك إلى أمرٍ هام: وهو أنه ما من مسألةٍ من هذه المسائل إلا وهي محل إجماع.

​إياك أن يتوهم ذهنك أن هذه المسألة خلافية، أو أن فيها أقوالاً لأهل العلم يكون الراجح منها ما أذكره لك؛ لا، بل هذه أصول الإسلام، وهي مسائل إجماعية.

​✦ وستعجبُ طبعًا: كيف تجرأ عليها من تجرأ؟

✦ والسبب أنهم قدّموا عقولهم، أما المنقول عن السلف فهو الإجماع، وقد ذكرتُ لك هذا الإجماع.

​✦ في قضية خطأ المجتهد:

إذا اجتهد في التوحيد فأخطأ بما ينقض التوحيد فقد كفر، وهذا محل إجماع؛ فلا يؤخذ باجتهاده، ولا يُعذر المخطئ فيه.

وإذا تأول في هذه المسائل فإنه يُفسَّق باتفاق، ويُبدَّع باتفاق، وقد ذكرنا في ذلك ما قرره القاضي عياض وغيره.

​》لكنهم اختلفوا في تكفيره لأن المسائل يعتريها الخفاء، كما أسلفنا، أو تلك التي تخفى مسالكها ودلائلها.

​》أما الخطأ الناشئ عن الذهول، فصاحبه غير مكلفٍ أصلًا؛ لكونه ذاهلاً لأن عقله ذهب وذكرنا كلام ابن القيم رحمه الله،

ونقله عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

✦ فهذه المسائل -يا إخوة- هي مسائل متفقٌ عليها.

​✧ مسألة الإكراه ✧

​قلنا في مسألة الإكراه: إن الإكراه المُلجِئ -وهو الضرب الشديد، والسجن الطويل، ومصادرة جلّ المال، وما شابه ذلك- هو الذي يبيح للإنسان نطق كلمة الكفر.

​وقلنا: إن هذا هو العذر الوحيد الذي يصح اعتباره مع الشرك الأكبر.

​بمعنى: إذا طُلب من الإنسان قول كلام الشرك والكفر، فمتى نجوّز له ذلك؟

إذا وقع تحت إكراه ملزم، وضُرب ضربًا مبرحًا جدًا، وقيل له: "قُل"، كما حدث مع الصحابة رضي الله عنهم.

✦ فقد سُئل ابن عباس رضي الله عنهما: هل كان أصحاب رسول الله ﷺ يُجوّعون؟

فقال: نعم، والذي نفسي بيده، كان أحدهم يُجوّع حتى لا يقوى على المشي؛ فقد عجزوا عن الحركة من شدة الجوع.

​فكانوا في تلك الحالة يُقال لأحدهم: "قل إن هذه الخنفساء (الجعل) هي الإله"، فيقولها؛ لأنه لم يعد قادرًا على التحمل وسيموت إن لم يفعل.

هذا هو حقيقة الإكراه.

──────────────────

✧ تنبيه مهم ✧

وعليك أن تستصحب معك حدود هذه التعريفات وضوابطها؛ حتى إذا شرعنا في الرد على الشبهات، أو مناقشة الواقع المعاصر وما يُطرح فيه اليوم، أدركنا أن ذاك الكلام باطلٌ من أساسه إذا ما عرضناه على التعريفات التي قررها أهل العلم.

​ثم توقفنا عند مسألة الجهل.

✦ إذن: العذر الوحيد في الشرك هو الإكراه، كما بينا، ثم وقفنا عند الجهل.

​فهل الجهل عذر؟

قلنا: في المسائل الظاهرة والشرائع، العذر بالجهل فيها مُضيَّق.

ما معنى ذلك؟

معناه: أن يجهل المسألة جهلاً تامًا، كمسألة في الصفات مثلاً (صفات الله عز وجل)؛ كأن يجهل صفةً بعينها أو لا يدري كيف يتعامل مع مقتضاها، فهذا يُعذر فيه؛ لأن مسالكها قد تخفى.

​

​2️⃣

​◀️ بَيْدَ أنَّه إذا جحدَ أمراً مِمّا عُلِمَ من الدّينِ بالضرورةِ،

فإننا نقول: يُعذرُ إن كانَ حديثَ عهدٍ بالإسلامِ، أو كانَ منقطعاً عن مَظانِّ العلمِ فحسب.

​فالرجلُ الذي أسلمَ بالأمسِ -كما مَثَّلتُ لكَ سابقاً-

حينَ يُقالُ له: "قُم فصَلِّ"،

فيجيبُ: "لا وجودَ لشيءٍ يُسمّى صلاة".

مُعللاً ذلكَ بأنَّ مَن علَّمَهُ الإسلامَ أَمَرَهُ بالنطقِ بالشهادتينِ فقط.

​➡️ هنا يُقالُ له: "لا، بل هناكَ خمسُ صلواتٍ مَفروضةٍ في اليومِ والليلة".

وتنبَّه: يجبُ تعريفُهُ بهذا الحُكمِ أولاً.

فإن قالَ بعدَ ذلكَ: "لا يوجدُ شيءٌ اسمُهُ صلاة"، فحينئذٍ يكونُ كافراً.

​◀️ وكما أسلفنا:

المسائلُ الظاهرةُ، يَطرأُ فيها العارضُ بَعْدَ ثُبوتِ الحُكمِ.

​أواضحٌ هذا؟

حسناً، أما الجهلُ ففيهِ تفصيلٌ إضافيٌّ يتعلَّقُ بما ذكرناهُ:

​◇ قاعدةُ التمكينِ:

​》ماذا نَعني بقاعدةِ التمكينِ؟

تَعني:

أنَّه ليسَ كلُّ مَن سألتَهُ في مسألةٍ فقالَ: "لا أعرفُ"،

تَحكمُ عليهِ بأنَّه "جاهلٌ" (بالمعنى المَعذُورِ).

لا، فهذا فَهْمٌ خاطئٌ.

​➡️ إنما يُوصَفُ بالجهلِ

عندما يتبَيَّنُ أنَّه غيرُ مُتمكِّنٍ من تحصيلِ العلمِ أصلاً.

أصلاً.

◀️ فأقولُ:

هذا رجلٌ -كما ذَكرنا- حديثُ عهدٍ بالإسلامِ،

أو عابدٌ مَنعزلٌ،

منقطعٌ عن مَعالِمِ العلمِ،

يَقطُنُ باديةً نائيةً، بعيداً عن العلماءِ، وما شابهَ ذلك.

​◀️ أمّا إن كانَ يعيشُ بينَ ظَهرانَيِ المسلمينَ،

فقد ذَكرنا قولَ أهلِ العلمِ في ذلكَ:

أنَّه إذا كانَ مُقيماً بينَ المسلمينَ،

ثمَّ جَحدَ مَعلوماً من الدّينِ، كفر.

فهذه مسألة أخَرى.

​◀️ وبالنسبةِ للشركِ الأكبرِ،

فنقولُ: إنَّه لا يُعذرُ بجهلِهِ فيهِ ابتداءً.

​ولماذا؟

لأنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ عرَّفَ العبدَ توحيدَ ربِّهِ،

وغرسَ حُسنَ ذلكَ في فِطرتِهِ،

كما عرَّفَهُ قُبحَ الشركِ بفِطرتِهِ أيضاً.

​◀️ فما دامَ عارفاً بذلكَ بفِطرتِهِ…

​◀️ فإنَّه حينَ يتركُ "الحَسَنَ" ويذهبُ إلى "القبيحِ"، يستحقُّ العذابَ؟ لا.

​لأنه يُقالُ لكَ: ثَمَّةَ فَرْقٌ بينَ "وقوعِ الشركِ" وبينَ "التعذيبِ على هذا الشركِ".

أما وقوعُ الشركِ، فلا خلافَ فيهِ.

​طيب، قُل لي: هل يُعذَّبُ؟

أقولُ لكَ: لا أعلمُ؛ فإن قامَت عليهِ الحُجَّةُ عُذِّبَ، وإن لم تَقُم فلا.

​لماذا؟

➡️ لأنَّه يُمتحَنُ.

◀️ لأنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قالَ:

﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾.

وقد تَبيَّنَ لكَ هذا مِراراً.

﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾.

◀️ ونحنُ قد قَررنا هذا الكلامَ سابقاً، وفصَّلناهُ كثيراً في حلقةٍ مُفردةٍ.

◀️ ومسألةُ أنَّ الفطرةَ مغروزٌ فيها حُسنُ التوحيدِ وقُبحُ الشركِ.

فليسَ مَعنى قولي: "إذا فعَلَ الشركَ فهو مشركٌ"،

أنَّه بالضرورةِ يُعذَّبُ أهلُ الفَترةِ.

◀️ لقد ذكَرتُ لكَ في اللقاءِ الماضي الإجماعَ على أنَّ أهلَ الفَترةِ الذينَ تلبَّسوا بالشركِ هم "مشركونَ".

أليسَ كذلكَ؟

ومع ذلكَ…

◀️ يقولُ النبيُّ ﷺ:

«أربعةٌ يحتجُّونَ على اللهِ يومَ القيامةِ»،

ومنهم رجلٌ من أهلِ الفَترةِ،

يقولُ: "يا ربِّ، لم يأتِني رسولٌ".

➡️ إذن ماذا يَبقى؟

يَبقى أنَّه بُعِثَ "مشركاً"،

لكنَّه قالَ: "يا ربِّ، لا تُدخلني النارَ؛ لأنَّي لم يأتِني رسولٌ".

◀️ فَيُمتحَنُ يومَ القيامةِ.

وهذا -كما ذكرنا- هو قولُ جمهورِ أهلِ السنةِ كما حكاهُ ابنُ القيمِ رحمه اللهُ.

وهو مَحَلُّ إجماعٍ كما نَقَلَ ابنُ كثيرٍ عن أبي الحسنِ الأشعريِّ رحمه اللهُ،

مِن نَقْلِ إجماعِ أهلِ السنةِ على أنَّهم يُمتحنونَ.

◀️ والشاهدُ الذي أرمي إليهِ:

➡️ ضرورةُ التفريقِ بينَ "الاسمِ" و"الحُكمِ".

هذه هي القضيةُ التي أرجو أن تَفهمَها.

◀️ فحينَ تسمعُ الأئمةَ يقولونَ:

«هذا جاهلٌ، لا نُكفِّرُهُ»،

فاعرِف مَعنى كلمةِ: "لا نُكفِّرُهُ".

➡️ فليسَ مَعناها: نَفيُ صِفةِ الشركِ عنه، بل نَفيُ استحقاقِ الوعيدِ (العذابِ).

كما قالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ رحمه اللهُ:

"التكفيرُ اسمٌ للوعيدِ".

◀️ ولذلكَ وردَ في النصِّ الذي ذَكرتُهُ لكَ في اللقاءِ الماضي:

هل هذا الرجلُ الذي يعبدُ القبورَ، ويستغيثُ بها، ويسألُها ما لا يَقدرُ عليهِ إلا اللهُ؛

هل قالَ ابنُ تيميةَ: "هذا جاهلٌ ضالٌّ، مشركٌ، كافرٌ"؟

❗️ كيفَ جَمعَ بينَ الشركِ والجهلِ؟

◀️ لقد نقلتُ لكَ كلامَ ابنِ القيمِ رحمه اللهُ:

أنَّه إن لم يكن كافراً عِناداً، فهو كافرٌ جهلاً،

وجهلُهُ لا يَمنعُ عنهُ صِفةَ أن يكونَ مشركاً.

➡️ إذن:

نُسمّيهِ مشركاً، ونُسمّيهِ كافراً، وهو جاهلٌ.

لماذا؟

لأنَّ هذهِ مسألةٌ فِطريةٌ، وهي أسبقُ من أن تتوقفَ على بُلوغِ الرسالةِ.

​◀️ ولأجلِ ذلكَ قلتُ لكَ:

إنَّ الشيخَ حافظَ الحكميَّ رحمه اللهُ لمّا سُئلَ قالَ:

"الأنبياءُ جاءوا مُذكِّرينَ فحسب".

​لم يأتوا لإنشاءِ مسألةٍ جديدةٍ،

ولا ليعلِّموكَ الصلاةَ فقط،

بل جاءوا ليُذكِّروكَ.

​◀️ ليُذكِّروكَ بالميثاقِ الذي بينكَ وبينَ اللهِ عزَّ وجلَّ، ويُذكِّروكَ بالفطرةِ.

​◀️ وقد ذَكرنا أنَّ العلماءَ اختلفوا في الميثاقِ هل هو الفطرة أم لا؟

لكنَّ هذا ليسَ مَحلَّ بحثِنا الآنَ.

​◀️ إنما الذي أؤكّدُهُ لكَ:

أنَّ الأنبياءَ جاءوا للتذكيرِ، للتذكيرِ فقط.

​يقولُ لكَ:

أليسَ "لا إلهَ إلا اللهُ" حَقّاً؟

تقولُ: بلى.

أليسَ اللهُ هو الخالقُ؟

تقولُ: بلى.

​فيقولُ لكَ:

فَلِمَ لا تَعبدُ اللهَ وحدهُ؟

ولِمَ تُشركُ معهُ غيرَهُ؟

أليسَ لَهُ الخلقُ والأمرُ؟

​أفهِمتَ كيفَ ذلكَ؟

حسناً، فما هي الأدلةُ على هذهِ المسألةِ؟

بما أننا دخلنا في مَسألةٍ فيها تفصيلٌ، فلا بدَّ من سَردِ أدلَّتِها.

​➡️ أقولُ لكَ: نعم، إن شاءَ اللهُ، بعونِ اللهِ عزَّ وجلَّ.

​3️⃣

​📜 يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

«وقد فرق الله بين ما قبل الرسالة وما بعدها في أسماء وأحكام».

📌​تأملوا -أيها الإخوة- الأسماء الشرعية مثل:

"الإيمان، الإسلام، الكفر، الفسوق، العصيان،

وكذلك أسماء: العاصي، الفاسق، الكاذب…"

​↩️ هذه جميعها أسماء تُوصف بها الذات وتُلحَق بالإنسان،

ثم تتبعها "الأحكام"؛ وهي ما يترتب على تلك الأفعال من عقوبات أو مقتضيات فقهية.

فماذا يقرر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذا الصدد؟

يقول:

《إن الله قد فرق بين ما قبل الرسالة وما بعدها في أسماء وأحكام، وجمع بينهما في أسماء وأحكام.

وذلك حجة على الطائفتين:

على من قال إنهم يستحقون العذاب ،

ومن قال بنفي الحسن والقبح مطلقاً،

إلا أن الله سبحانه وتعالى سماهم ظالمين.》

​⚖️ فما هي مسألة التحسين والتقبيح؟

​🧠 المعتزلة قالوا:

إن حُسن التوحيد وملاحة الأفعال يُدركان بالفطرة، وكذلك قُبح الشرك وسوء الأفعال معلومان بالفطرة؛ وبناءً عليه فإن من يفعل القبيح يُعذَّب، ولا يرتبط هذا العذاب عندهم ببعثة النبي أصلاً.

​🧠 أما الأشاعرة ومن وافقهم فقالوا:

لا يُوجد حسن ولا قبح ذاتي في الأفعال قبل الشرع، ولا يُعذب أحدٌ إلا إذا بعث الله الرسول؛ فالعذاب عندهم مرتبط حصراً بالرسالة.

لكن الجدل هنا كله يدور حول "الحُكم والعذاب"، أما "الاسم" فهو ثابت وملازم للفعل، فهو حقيقة تسمية لا أكثر.

​📜 كما يقول العلامة أبا بطين رحمه الله:

إن الزاني يُسمى زانياً، والسارق يُسمى سارقاً، وكذلك المشرك يُسمى مشركاً؛ فالأمر يسير جداً من حيث التسمية.

​وعلى هذا نجد أن أهل الجاهلية في عمق جاهليتهم، حين أرادوا بناء الكعبة، قالوا: «لا تُدخلوا في بنائها مَهْرَ بَغِيٍّ».

​فقد أطلقوا على تلك المرأة وصف "البغي" (أي الزانية) بناءً على فعلها، أدركتم المعنى؟

هذه "أسماء" تصف الواقع، وليست بالضرورة "أحكاماً" تتعلق بالثواب أو العقاب الأخروي.

​لكن تقرير "الأحكام" هو محض فضل من الله عز وجل ورحمة؛ إذ فرَّق الله بين الحالة قبل الرسالة وبعدها.

فانتبهوا لهذا التأصيل جيداً.

​لقد أوضحنا في هذا الجزء كيف فرّق العلماء بين "الاسم" (كاسم المشرك أو الزاني) و "الحُكم" (كالعذاب أو النعيم)، وكيف أن العقل والفطرة يدركان حقائق الأشياء حتى قبل ورود الشرع.

​

​4️⃣

​ثم جاء أهلُ السُّنةِ والجماعةِ بمسلكٍ وسَطٍ بين الطائفتينِ؛

فالمعتزلةُ يُقرِّرونَ أنَّ حُسنَ التوحيدِ وقُبحَ الشركِ مَعلومٌ بالفطرةِ ، وهذا صَحيحٌ، لكنَّهم بَنَوْا عليهِ استحقاقَ العذابِ، وهنا خالفَهُم أهلُ السنةِ لعدمِ وجودِ الدليلِ على ذلكَ.

أما الأشاعرةُ فقالوا بعدمِ التعذيبِ (إلا بالرسالةِ)، وهذا أيضاً صَحيحٌ؛ إذ لا عذابَ إلا بعدَ بعثةِ الرسولِ

​ويتمثلُ الجمعُ عندَ أهلِ السنةِ في الآتي:

مَن تلبَّسَ بالشركِ فهو "مشركٌ" اسماً، وهذا أمرٌ ثابتٌ.

لكنْ عندَ الحديثِ عن "العذابِ" الأخرويِّ، فنقولُ: لا عذابَ إلا بعدَ قيامِ الحُجةِ وبلوغِ الرسالةِ .

ولهذا ذَكرَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ رحمه اللهُ أنَّ النظرَ في "الأسماءِ والأحكامِ" في الكتابِ والسنةِ هو الحُجةُ القاطعةُ على المعتزلةِ والأشاعرةِ مَعاً.

​فالمعتزلةُ يُقالُ لهم: ثَمَّةَ حُسنٌ وقُبحٌ، لكنْ ليسَ كلُّ فاعلٍ للقبيحِ يُعذَّبُ.

والأشاعرةُ يُقالُ لهم: لا عذابَ إلا بالرسالةِ، لكنَّ هذا لا يَنفي وجودَ "الحُسنِ والقُبحِ" الذاتيِّ.

وهذا من رحمةِ اللهِ وفضلِهِ؛ ولو شاءَ اللهُ لَعذَّبَ الناسَ على مقتضى ما فُطِروا عليهِ لكانَ عدلاً منهُ، حيثُ سيُذكِّرُهم بِميثاقِ "أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ" ، فتكونُ بصائرُهم حاضرةً ويُقرُّونَ بذلكَ، مِمّا يوجبُ العذابَ.

لكنَّ رحمةَ اللهِ اقْتضتِ التفريقَ بينَ "الاسمِ" و "الحُكمِ".

📌​وأصلُ هذهِ المسألةِ يرجعُ لقصةِ "عَبْدِ بنِ زَمْعَةَ" رضي الله عنه؛ حيثُ ادَّعى رجلُ نَسبَ طفلٍ، فقالَ النبيُّ ﷺ: «هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ» (أي هو أخوكَ نَسَباً)، ثمَّ قالَ لِسَوْدَةَ رضي الله عنها: «وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ».

فالنبيُّ ﷺ أثبتَ "الاسمَ" في بابِ النَّسبِ، لكنَّهُ نَفى "الحُكمَ" في بابِ المَحرميةِ .

​📌 قاعدة شرعية مستنبطة:

أنَّ الاسمَ قد يَثبتُ في بابٍ، ويَنتفي في بابٍ آخرَ.

​وهذا يُجنِّبُنا الجَدَلَ العاطفيَّ، ويَقودُنا إلى فقهٍ شرعيٍّ مَضبوطٍ بقواعدِ العلماءِ.

ففي "اسمِ الشركِ":

نُسمِّيهِ مشركاً، وتَترتَّبُ عليهِ أحكامُ الدنيا (كالامتناعِ عن الاستغفارِ لهُ أو الصدقةِ عنهُ)، لكنَّ "الحُكمَ" الأخرويَّ بالعذابِ مَوقوفٌ على بلوغِ الحُجةِ .

فإن بَلغَتْهُ الحُجةُ استقرَّ الحُكمُ، وإن لم تَبلُغْهُ فلَهُ شأنٌ آخَرُ.

​ولهذا استدلَّ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ بـ "زيدِ بنِ عمرو بنِ نُفيل" و "ورقةَ بنِ نوفل" وغيرهم كحُجةٍ على قريشٍ لبلوغِ العلمِ مِثلَهم، وسنُفصِّلُ في هذا لاحقاً.

​📌 خلاصة المسألة:

الاسمُ قد يَثبتُ في مَوضعٍ ويَنتفي في آخَر، تماماً كما ثَبتَ اسمُ "الأخِ" في النَّسبِ وانْتَفى في المَحرميةِ في حديثِ ابنِ زَمْعَةَ.

وهذا الإشكالُ هو ما أوقعَ كثيراً من العلماءِ في خلاف حولَ "أطفالِ المشركينَ"، لأنَّهم لم يُفرِّقوا بينَ الاسمِ والحُكمِ، وبينَ أحكامِ الدنيا وأحكامِ الآخرةِ، مِمّا أدّى إلى حصولِ الخَلْطِ.

​5️⃣

​📜 يقرر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن هذا التأصيل حجةٌ على الجميع، ويقصد بذلك طائفتي المعتزلة والأشاعرة.

​لقد استدلَّ بأن الله تعالى سمى الكافرين "ظالمين" و "مفسدين" قبل قيام الحجة الرسالية عليهم، مستشهداً بقوله تعالى:

{وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ}.

​تأمل هنا؛ لقد وصفهم الله بـ "الظالمين" قبل أن يذهب إليهم موسى عليه السلام ويبلغهم الرسالة.

​↩️ ومن هذا ندرك أن هناك أسماءً تثبت على المرء قبل وصول الرسالة؛ فهي لا تُرتبط ببعثة الرسل فحسب، بل هي أوصافٌ تلتصق بفاعلها بناءً على ما تدركه "الفطرة" . فاسم "الظلم" ثابتٌ عليهم بفعله.

ومثالٌ آخر ما ذكره الله عز وجل عن نبي الله هود عليه السلام حين قال لقومه:

{اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ}.

لقد وصفهم بـ "الافتراء" قبل أن يخالفوا حكماً شرعياً منزلاً، لمجرد أنهم جعلوا مع الله إلهاً آخر.

​📜 يقول ابن تيمية رحمه الله: "فجعلهم مفترين قبل أن يُحكم بحكمٍ يخالفونه؛ لكونهم جعلوا مع الله إلهاً آخر".

​بمجرد وقوع المرء في عبادة الطاغوت ، أو صرف العبادة لغير الله، فإنه يستحق هذا "الاسم" فوراً، ولا يُستثنى من ذلك إلا "المُكرَه"، هناك آخر "غير مكلف" فله تفصيل آخر سنذكره لاحقاً إن شاء الله.

​📌 قاعدة ذهبية:

اسمُ الشركِ ثابتٌ قبلَ الرسالةِ؛ لأن المشرك يشرك بربه ويجعل معه آلهة أخرى . وهذا ينطبق أيضاً على اسم "الجاهلية"؛ فقد اتفق أهل العلم على تسمية ما قبل الإسلام جاهلية رغم غياب الرسول، وذلك لجهلهم الفطرة.

​أما "التعذيب"، فلا .

قال تعالى: {فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ * وَلَٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ}. فالتكذيب والتولي لا يكونان إلا بعد مبعث الرسول .

كما قال الله تعالى :{فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا }

فالنبي يأتي ليُعرِّف الناس "الطاعة"، فمن تركها سُمي "متولياً"، ويأتي ليُعرفهم "الشريعة"، فمن ردها سُمي "مكذباً".

فهناك أسماء تثبت قبل الرسالة وأسماء تثبت بعد الرسالة

​تجدون هذا التفصيل البارع في كتاب "الحقائق" للشيخ علي الخضير، حيث فصّل الأسماء التي تثبت قبل الرسالة والأسماء التي تأتي بعدها بأدلتها.

​وبناءً على هذا، فإن "التأويل" لا مدخل له في الشرك الأكبر؛ فلا يصح أن يُقال "أشرك بتأويل".

لماذا؟ لأن التأويل هو صرف اللفظ عن ظاهره الراجح إلى معنى مرجوح بقرينة. وكلمة التوحيد "لا إله إلا الله" ظاهرها قطعي لا يحتمل التأويل، ولا توجد قرينة تصرف عبادة غير الله إلى معنى مقبول.

​لقد ذكر ابن قدامة في "روضة الناظر" أن النص لكي يتأول يجب أن يكون "قابلاً للتأويل"، وأن تكون القرينة "صريحة"؛ وهذه الأصول لا تنطبق على الشرك الأكبر الذي يخرج من الملة.

​⚠️ تنبيه:

هذه المسائل إن لم تُدرَّس بدقة ويُفرق فيها بين المتشابهات، فسيقع الخلط.

فكثرة الفتن جعلت البعض يخلط المحكم بالمتشابه كما قال الشاطبي رحمه الله[ فأولوا المتشابه وعارضوا المحكم بالمتشابه]

#فكن على بينة ، وانتبه يرعاك الله واتق الله وانشر هذه المسائل بين الناس، فهذه مسائل وفاقية إجماعية لا خلاف فيها عند أهل التحقيق.

.

​6️⃣

​إذن، هذه الأسماء ثابتةٌ قبل الرسالة؛ فاسم "الجهل" ثابتٌ قبلها. وبناءً عليه، لا سبيل لاعتبار الجهل عذراً في الشرك؛ فلا يصح القول بأن فلاناً أشركَ لكونه جاهلاً لا يفهم، إذ إن التوحيد مغروزٌ في فطرته .

وكما ذكرنا سابقاً في درس الفطرة، قال عمرو بن عبسة رضي الله عنه: "كنتُ أعلمُ أن العرب في الجاهلية على ضلال".

زيد ابن عمرو بن قال أعلم أنكم ضالين.

​#وقد_عقّب_ابن_كثير رحمه الله موضحاً أنه استجاب لفطرته؛ فالفطرة لا تُطمس تماماً. لذا، فإن الجهل بالمعنى الذي يرفع "اسم الشرك" غير موجود هنا، لأن المراد يعرف حُسن التوحيد بفطرته.

​أما الحجة والتعذيب، ففيها الجهل هذا هو الشق الثاني؛ فهل يُعذَّب؟ الجواب: لا، إن لم تبلغه الأصول والرسالة، فرحمة الله تسبق غضبه ﷻ، والله يحكم ما يريد. وكما رحمنا الله في "المسائل الخفية" (كالتأويل في الصفات وغيرها)، جعل سبحانه تفاوت الدرجات في بيان المسائل رحمةً بالعباد.

​فالجهل لا يرفع عن المرء "اسم الشرك"؛ فمن أشرك فهو مشرك.

​📌 متى يرتفع اسم الشرك؟

يرتفع إذا كان المرء "غير مكلف" أصلاً، كما في حالة "الخطأ" (الذهول)، فهذا غير مخاطب بالتكليف حالياً. ونحن هنا لا نتحدث عن العوارض الجبلية، بل عن "موانع التكليف" المكتسبة كالإكراه، فقد أجمعت الأمة أنه لا يُؤذن لأحد في الكفر أو الشرك إلا للمُكره .

#فهنا_لما_ذكرنا_كلام_ابن_تيمية رحمه الله:

(من قال الشرك أو فعل الشرك من غير إكراه فقد شرح به صدره).

📌 والأمة مجمعة على أنه لايؤذن لأحد في الشرك إلا المكره

​

7️⃣

ثمة حالة أخرى قد ترفع الحكم لكنها ليست من كسب المرء، وتُسمى "جاهل الحال"؛ وهو الذي يجهل شيئاً فوق قدرته وطاقته البشرية.

كمن يقول لك: بماذا أفكر؟!

فتقول له: كيف أعرف أنا!!

فهذا جهل حال تكليف بما لايطاق .

📌ما هو تكليف ما لايطاق؟

​#يقول_الإمام_القرافي رحمه الله: 《نعم، الجهل الذي لا يمكن دفعه بمقتضى العادة (اي لا أستطيع دفعه بخلقتي) يكون عذراً".》

#وضرب_لذلك مثالاً: كمن تزوج امرأة ثم تبين أنها أخته من الرضاعة ولم يكن يعلم. فهذا علم غيب لا يدركه بمجرد نظره، لذا يُعذر لعدم الطاقة.

ومثال آخر: رجل ينظف الطريق فركل ورقة بقدمه، فتبين أنها ورقة من المصحف 📖. فهذا لا يُكفر؛ لأنه لم يعلم حال هذه الورقة، وهذا خارج عن طاقته.

📌​​أما السؤال عن الذي يخوض في "الديمقراطية" وهل يُعامل معاملة جاهل الحال؟

سأبين لكم التقسيم لاحقاً، لكن بعد أن نؤصل أولاً لكون الديمقراطية شركاً أكبراً، ثم نفصل في الحالات:

*​من زال عنه الحكم لخوضه مع الخائضين (بجهل مفرط).

*​من تأول تأويلاً غير سائغ في الشرك الأكبر فلا يُعتد به.

*​ومن هو "جاهل الحال" حقاً الذي لا يُحكم عليه بالدخول في الفعل الشركي.

​سنبين في اللقاء القادم إن شاء الله تفصيل معنى الديمقراطية وعلاقتها بالعلمانية وكونها شركاً أكبراً.

​أسأل الله عز وجل أن يجعلنا ممن إذا دُعي بادر، وإذا نُهي انتهى، وعقل مثواه فهدى لنفسه، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

​

Wat het jy daarvan gedink?

Lesers van elke taal van hierdie artikel reageer hier saam.

Nog geen reaksies nie

Gesprek

Een gesprek loop onder elke taal van hierdie artikel. Wie dit in Afrikaans gelees het en wie dit in enige ander taal gelees het, praat almal hier saam.

Jy het ’n rekening nodig om saam te praat. Dit kos ’n e-posadres en ’n wagwoord, niks meer nie.

Niemand het nog iets gesê nie. Jy kan die eerste wees.

Oor die skrywer

Sheikh Samir Mustafa

Sjeik Samir Mustafa is die Egiptiese Islamitiese predikant Abu Abd al-Rahman Samir ibn Mustafa al-Suyuti. Hy is in 1976 in Asyut-gouvernemensie gebore en het grootgeword en die grootste deel van sy lewe in die stad Helwan in Kaïro-gouvernemensie deurgebring. Opvoeding en strewe na kennis Religieuse studie: Hy het hom van sy jeug af toegewy aan die strewe na godsdienstige kennis en studeer by 'n aantal vooraanstaande sjeikke en geleerdes in Egipte. Sy mees prominente onderwysers: Hy het onder sjeik Hasan Abu al-Ashbal al-Zuhayri, sjeik Abu Ishaq al-Huwayni en sjeik Muhammad Abd al-Maqsud gestudeer. Predikings en akademiese aktiwiteit Predikings en lesings: Hy het bekend geword vir 'n opwindende oratoriese styl wat direk aan jongmense gepraat het, en hy het honderde predikante en lesse in die moskees van Kaïro en Giza en in verskeie ander Egiptiese goewernorate gelewer. Geleerde belange: In sy prediking het hy gefokus op die bou van 'n goeie geloofsbewys, op die onderrig van die lewe van die profeet en Islamitiese geskiedenis en op die kweek van die siel. Groot reeks en geskrifte: Hy het baie bekende opnamesreekse en lesse vervaardig, waaronder die reeks "Die groot gevegte van Islam", "Kommentaar oor die kort suras" en "Histories of the Prophets", benewens die toesig oor 'n aantal werke en brosjures oor Islamitiese uitreik. Gevangenis: Sy openbare predikingsaktiwiteit het tot stilstand gekom nadat hy in 2017 gearresteer is terwyl hy op pad was om die rituele van Omra te verrig, en hy bly sedertdien in die tronk.

Steun

Help betaal vir die volgende vertaling

Turjuman is gratis om te lees in elke taal waarin dit publiseer, en dra geen advertensies nie. Die vertaling is die deel wat geld kos. As hierdie stuk jou tyd werd was, kan jy iets stuur vir die volgende een.

QR-kode vir die USDT-adres op die netwerk Tron (TRC20)

USDT · Tron (TRC20)

TCxC8zmmK9fqDy7B4FbeNs2hXJkfMQ6vjc

Stuur slegs die munt wat hier genoem word, oor die netwerk wat hier genoem word. ’n Oordrag oor die verkeerde netwerk kan deur niemand teruggekry word nie.

Lees hierna

Inhoud van die boek