Ещё не переведено на этот язык العربية
المجلس الحادي والتسعون
الحلقة الحادية والتسعون
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله الذي لم يزل عليماً حكيماً، وصلى الله وسلم وبارك على محمد، الذي أرسله ربه إلى الناس بشيراً ونذيراً، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
••┈┈┈┈┈┈┈┈┈┈┈••
أما بعد؛ فهذا مجلس جديد -أيها الإخوة- من مجالس «العروة الوثقى»، أسأل الله عز وجل، وهو ولي الإسلام وأهله، أن يمسكنا بالإسلام حتى نلقاه به.
▬ لقد دخلنا في اللقاء السابق إلى المجموعة الثانية من المجادلين عن الشرك والمشركين وسبل الشرك.
وكانت المجموعة الأولى تتحدث عن المجادلين عن سبل الشرك، أما في اللقاء السابق فبدأنا بالمجادلين عن الشرك نفسه؛ إذ يقول لك قائلهم بأن الشرك نفسه جائز! نسأل الله العافية.
ولا بد أن تعلموا -أيها الإخوة- أن البدعة إنما تبتدئ يسيرة ثم تتطور؛ ولعلنا ضربنا من قبل مثالاً بالخوارج؛ فقد كان العلماء يأخذون ويردون معهم، واختلف العلماء في تكفيرهم في بدايات الأمر، إلى أن تطور الأمر بهم حتى أنكروا حد الرجم، وطعنوا في الصحابة أجمعين وقالوا في دينهم ما قالوا. فلما وصلوا إلى ذلك الحد، صار هناك مناط واضح لكفرهم.
ولذلك، حين تقرأ عن الفرق، لا تقرأ الكلام القديم وحده، بل تعلم كيف تتطور البدعة؛ فبعض فرق الخوارج اختلف العلماء فيهم في البداية لتدرجهم، ثم اتفقوا عليهم حين وقعوا في المناط القاطع.
والمقصود أن البدع تتطور -يا إخوة، فاحذروا دهاء الشيطان وسياسته، نسأل الله أن يعافينا وإياكم-. فعندما ينقدح في دماغ الإنسان -بدعة عظيمة ومنكرة، وهي بدعة الشرك الأكبر- أن يدافع عن المشرك أو يدافع عن الشرك ذاته، أو يسوغ سبيل الشرك، فإنه حينئذٍ يضع نفسه في موضع غضب من الله عز وجل والعياذ بالله؛ لأن هذا حد عظيم من حدود الله عز وجل، وهو يناقض التوحيد من أساسه.
وحين يقسو قلب الإنسان، يتطور في ضلاله، كما توضح السنة المطهرة.
ولنأخذ العبرة من الأثر المشهور الذي رواه الدارمي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أنه أتى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فوجد طلبة العلم جالسين عند باب داره فجلس معهم أدباً وتواضعاً رضي الله عنه.
فلما خرج عبد الله بن مسعود، قال له أبو موسى: «يا أبا عبد الرحمن، إني مررت في المسجد آنفاً فرأت شيئاً -والحمد لله ما رأيت إلا خيراً-؛ رأيت حلقاً، وعلى رأس كل حلقة رجل، وبين أيديهم حصى، يقولون: "سبحوا مائة بارك الله فيكم، كبروا مائة بارك الله فيكم، هللوا مائة"، هكذا يسبحون ويهللون!»
فدخل عبد الله بن مسعود معه إلى المسجد، وتلمس حتى وقف على رأس حلقة منهم كما وصفها له أبو موسى تماماً. فوقف عليهم ونزع لثامه، وقال غاضباً: «يا قوم، ما أسرع فتنتكم يا أمة محمد! هذه بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تبلَ، وهذا ثيابه لم تَبْلَ، أما أن تكونوا على هدي هو أهدى من هدي أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، أو أنكم فتحتم باب ضلالة!».
فقالوا مبررين: «والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير!».
فقال كلمته الخالدة التي تنقش بماء الذهب: «وكم من مريد للخير لا يبلغه!».
ليس الشأن في مجرد إرادة الخير فحسب، بل لابد أن يكون الإنسان مريداً للخير ويسير على السبيل المأذون فيه شرعاً، تحت النظر الشرعي الصحيح، لكي يصل إلى ما يريد.
قال عبد الملك بن عمير -الذي يروي هذه القصة من التابعين-: «فما برحنا أن جالدونا وقاتلونا في النهروان!».
شاهد القصة: كيف بدأت البدعة؟ بدأت بأمر يبدو هينًا ظاهرياً (تسبيح وتكبير بالحصى بالطريقة المبتدعة)، ثم انتهت بهم إلى قتال عليٍّ وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في النهروان!
وهذا يدل على أن أصحاب البدع غالباً ما يتمادون ولا يرجعون عن بدعتهم مهما هزمتهم في المناظرات والبرهان. وهو فصل عظيم عقده الإمام الشاطبي رحمه الله في كتابه «الاعتصام»، حيث بين أن أمراً كهذا جرى مع عمرو بن عبيد وغيره من القدرية، فقد أُقمِمت عليهم الحجة في المناظرات مراراً وتكراراً، ومع ذلك لم يرجعوا وظلوا مصرين على بدعتهم.
تطور دعاوى المجادلين عن الشرك: من الديمقراطية إلى اتهام الأنبياء
الذي أود قوله هو أن هؤلاء القوم قد تطوروا في طروحاتهم؛ فبعد أن كانوا في الماضي يقولون: «والله ممكن نجيب الديمقراطية بحسب النظر الشرعي ونشوف إيه اللي ينفع منها»، وصل بهم التطرف والجرأة اليوم إلى ما هو أدهى وأمرّ:
لقد وصل بهم الأمر إلى اتهام أنبياء الله بأنهم كانوا "ديمقراطيين"!
بل وصل بهم السقوط إلى اتهام أولياء الله وأنبياءه بأنهم يحكمون بغير ما أنزل الله!
وظلوا يبحثون ويتسولون كل شبه ساقطة؛ وهنا يظهر الفرق المنهجي الخطير:
2️⃣
⇐أهل الرسوخ في العلم: يعولون دائماً على النصوص الكلية المحكمة.
⇐أهل الزيغ والميل: يحرفون النصوص ويتبعون المتشابه ويعولون على الجزئي والرخصة والمشكل والمحتمل.
ولذلك، فإن هذه المسائل المحتملة لا يعلم تأويلها وتوجيهها فهماً صحيحاً إلا الراسخون في العلم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في صفة أهل الزيغ.
ونحن نقف عند هذه النقطة، حيث بدأت الشبهة الأولى التي يثيرونها، وهي قولهم: «إن نبي الله سيدنا يوسف عليه السلام حكم بلاداً وثنية، وحيث إنه حكم هذه البلاد الوثنية، فما حكمه؟
حكمه بقوانينه؛ إذ كانت لديه قوانين أيضاً، فإذا اقتضت الضرورة أو جاز الأمر لسبب ما، جاز لنا أن نحكم بهذه القوانين ولا مشكلة في ذلك!
وكذلك يقولون: "إن صلاح الدين الأيوبي حكم الدولة العبيدية الفاطمية، وكان هؤلاء جماعة ملاحدة، فكان يحكم بقانونهم ومبدئهم أيضاً! وكذلك النجاشي كان يحكم بالإنجيل، والإنجيل محرف!".
3️⃣
وقد بينا سابقاً أن هناك شقين لهذه الشبهة:
⇐الشق الأول: للمجادلين عن سبل الشرك (وكان لديهم قليل من الحياء في بدايات الأمر)، فبدأ أحدهم يقول: "والله، سيدنا يوسف تولى الوزارة، وبما أنه تولى الوزارة، فنحن نستطيع أن نتولى الوزارة لنُسعى إلى تحكيم الشرع وما شابه"، وكانوا يصورون أن سيدنا يوسف كان مُمكَّناً ينشر الشرع من خلال الوزارة، فيمكننا دخول أنظمة هؤلاء الحكام ونحكم بها مدة من الزمن للضرورة، وكانوا يمررون قضية الحكم بالكتاب المحرف في ثنايا الكلام دون تركيز، وكأن تولى سيدنا يوسف للوزارة لدى ملك كافر يشبه ما يحتجون به من جواز العمل في ظل الحكم الكفري.
⇐الشق الثاني: فلم تعد القضية مجرد تولي وزارة مع الاحتفاظ بالدين، بل قالوا صراحة: "بل حَكَمُوا بالقانون المبدل أصلاً ولا ضير في ذلك!".
القواعد الأصولية الحاكمة لدحض الشبهة
ولكننا قدمنا قواعد أصولية واضحة يجب أن تُعرض عليها كل شبهة، كما ذكرنا في الدروس السابقة؛ وهي كالتالي:
◄الاجماع لا يُخالف بدليل آخر: إذا ثبت الإجماع على مسألة قطعية، فلا يمكن بحال أن يخالفه دليل آخر؛ بل يجب أن يُأوَّل الدليل الآخر ليدخل تحت مظلة الإجماع.
فإن لم تستطع تأويله، قلت: "هذا من عند ربنا، وهو من باب المتشابه والمشكل الذي لا يُعارض المُحكَم"، وهذا هو مسلك الراسخين في العلم.
المسائل الجزئية ووقائع الأحوال لا تنقض الأصول الكلية: فإذا كانت المسألة مجمعاً عليها وهي خطاب عام لكل المكلفين، فهذا يُسمى "أصلاً كلياً".
والأصل الكلي لا تنقضه قصة فردية، بل ولا حتى نصٌّ ظنيٌّ معارض؛ بل نبحث في دلالة النص والحديث، فإن تعارض نصٌّ آحادٍ مع أصل قطعي مجمع عليه، قُدّم الأصل الكلي القطعي، وعُمِل به.
ولا يغترّ جاهل فيقول: "أنت تقدم آراء الرجال على الكتاب والسنة؟!"؛ فهذا باطل، وقد أوضح هذا المعنى الأئمة الأعلام في كتبهم، كابن قدامة في «روضة الناظر»، والشنقيطي في «مذكرة الأصول»، والتاج السبكي في «جمع الجوامع» في شرح البيضاوي، وغيرها من كتب الأصول التي لا تنفك تذكر هذه القواعد، فضلاً عما نقلناه من كتب المقاصد كـ «الموافقات» للشاطبي، وكلام الإمام القرافي وغيرهما.
فهذه القواعد متى ذكرناها انتهت الشبهة من أساسها. فإن عجز أحدهم عن فهم تأويل هذه القصص، فنقول له: "احتفظ بشبهتك لنفسك ولا تتكلم بها؛ لأن عندنا أصولاً كلية محكمة لا تهدمها وقائع الأعيان".
وقد أشار الإمام الشاطبي رحمه الله -في كلام نفيس قرأناه لكم في ثنايا هذه السلسلة عند قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ}- إلى أن تفريق الدين كان من أخص أسبابه أن أهله أخذوا بالجزيئات وهدموا الكليات؛ وهو ذات الداء الذي وقع فيه بنو اسرائيل من قبل، ويقع فيه اليوم كثير ممن ينتسبون إلى الإسلام!
فإذا بحثنا من باب "نافلة القول" -بعد أن تقرر عندنا أن الحكم بغير ما أنزل الله كفر وشرك أكبر مخرج من المله بالإجماع المتفق عليه، وأنه لا خلاف في ذلك بين أهل العلم، فهو أصل كلي لا تقوى المسائل الجزئية على معارضته- فإن اطمأنت قلوبنا بالحق، وعرفنا أصل الشبهة في قصة سيدنا يوسف، مروراً بقصة النجاشي، وانتهاءً بصلاح الدين الأيوبي...
↻ سنجد أن هناك اشتراكاً في هذه الشبهات، لاسيما فيما يتعلق بقضية العمل في الوزارات أو الأنظمة غير الإسلامية، وهو ما سبق أن فصلناه في أحكام العمل لدى الكفار، لنكتمل الصورة وتنجلي الغمة تماماً.
4️⃣
يقال إن يوسف حكم بالحكومات الوثنية، وسيدنا النجاشي كذلك، وسيدنا صلاح الدين الأيوبي كذلك.
أقول لك هنا: إن سيدنا يوسف عليه السلام، لو أخذنا ما يخصه وحده قبل أن ندخل في تفاصيل الباقي الذي سيشترك فيه الكل، فما هو الشيء الذي يخصه؟ قلنا: أجمع أهل العلم على أن الأنبياء لا يعملون الشرك لا قبل الرسالة ولا بعد الرسالة. فليتنبّه الجميع لهذه الكلمة.
وهذا الكلام الذي أتي به، من أين جئت به؟ كما قلنا، كل شيء سأقول لك من قاله، فهو ليس من عندي؛ فمن أين أتيته؟
افتح كتاب "الزواجر" لابن حجر الهيتمي: "الزواجر عن اقتراف الكبائر"، فهو يحكي هذا الإجماع.
وتفتح كتاب "الإعلام بقواطع الإسلام" (أو القواطع) فهو يحكي هذا الإجماع، ويحكيه عن أئمة أهل العلم.
وتفتح كتاب "الشرح الإسنوي على البيضاوي" فحكى نفس هذا الإجماع.
وتفتح أيضاً كتاب "النبوات" لابن تيمية، وستتفاجأ وتجد أن هذه المسألة مشهورة، وكل خلاف ذكر -طبعاً كتاب "الشفا" للقاضي عياض، نعم- الخلاف الذي يُذكر قبل الرسالة في أنه يمكن أن يحصل كذا أو كذا، فهذا خلاف لا يُعتد به.
وطبعاً نحن أيضاً ليست قضيتنا الأساسية هي ما قبل الرسالة، ولكني أقولها لك لكي تكون المسألة تامة عندك: لا قبل الرسالة ولا بعد الرسالة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
بعد الرسالة لماذا؟ لوجود العلم؛ فالعلم موجود والدعوة قائمة، وأن النبي مأمور بأن يبلغ التوحيد للناس، ويبلغ بالطبع ما أمره الله به من رب الشرائع وكذا، لكنه مأمور بأن يبلغ التوحيد؛ فقد بُعث أصلاً لذلك، كما قال تعالى:
{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}
فلا يمكن أبداً أن يدخل النبي في الطاغوت قط.
يعني، الذي قال هذه الشبهة ليس جاهلاً فحسب، بل هو غبي أيضاً! أنت تعرف الرجل الذي مرّ على رجل يقرأ القرآن، فقال: {فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ} (واستُخدمت هنا على وجه المزاح أو الاستشهاد: من التحكيم)، فقال له: لا حفظ ولا عقل! لا أنت حافظ عدل ولا أنت عاقل أيضاً! هل يوجد سقف تحت أحد؟ فهذا لا حفظ ولا عقل؛ فأنا لا أجد عنده لا علماً ولا عقلاً حتى يفكر به: كيف يكون النبي الذي جاء ليقول للناس: "اعبدوا الله وحده لا شريك له واجتنبوا الطاغوت"، هو نفسه صاحب هذه الرسالة، ثم يدخل هو في الطاغوت ويعبد هو الطاغوت؟!
هذا بالطبع أمر غير ممكن أبداً. لكن كما قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: "تعلمنا كبار العلم، فلما رأينا الناس ينشغلون بصغاره تعلمناه له".
فلنجب عن هذه النقطة، مع أن المفترض -يا إخوة، فليتنبّه الجميع- أن حدّ من يقول هذا الكلام... ما هو حده في دار الإسلام؟ إنه يؤتى به ويقتل رِدةً عند طائفة من أهل العلم، ولا يُستتاب لأن هذه زندقة؛ فيُقتل رِدةً على الفور.
وبعض أهل العلم -بل كثير من أهل العلم- يقولون: يأتي هكذا، فتقول له: "الذي قلته هذا كفر، أفتتوب منه؟" فيقول: "نعم أتوب منه". ولا يسمعونه يقوله مرة أخرى فليحذر، أو يقول لك: "حاضر". ثم يُعطى علقةً من القاضي؛ يعذّره القاضي حتى لا ترجع لتقول هذا الكلام مرة أخرى، ثم يُسبَّل.
أما نحن اليوم، فلا هي ردة بحق ولا أبو بكر لها؛ فكل من شاء أن يتكلم يتكلم! أنت اليوم تدعو الناس كلهم للشرك على المنابر، تقول للناس: "ادخلوا على الشرك يا رجال!"، فنسأل الله عز وجل أن يعافينا وإياكم من فتنة هذا الزمان.
إذن، ما الذي يخص سيدنا يوسف عليه السلام؟ هو أن لدينا إجماعاً بأنه لا يعمل الشرك. إذن، قولك: "أصل والله كان كذا..." يعني هذا ليس له قانون يا عم! أنا مالي ومال القوانين؟! ليس لها قانون؛ أنا عندي أن الأنبياء قد ثبت الإجماع على أنهم لا يفعلون الشرك، وقد جاؤوا بالتوحيد ويدعون الناس إلى التوحيد، ولا يفعلون الشرك أبداً.
وأما الحكم، فإما أن تقول إن الحكم بغير ما أنزل الله هو أن يبدل حكم الله عز وجل، وأما أن تقول إنه كفر... فإن قلت بغير ذلك فتكون قد خالفت الكتاب والسنة والإجماع.
وإما أن تقول إنه شرك، فالأنبياء لا يفعلون الشرك أبداً؛ لأنه قد ثبت على ذلك الكتاب والسنة والإجماع ايضا.
إذن، ما هو الحل إذا ثبت الأمر على هذا؟ الحل أن تكون زنديقاً كافراً مرتداً عندما تقول هذا الكلام! ولذلك هؤلاء يجددون دينهم -الذين يقولون هذا الكلام- لأن هذا سبّ للانبياء، وسبّ الأنبياء كفر، ثم هذا مضاد للإجماع، فليتنبّه الإنسان لهذه المسألة، هذا بالنسبة للآية.
5️⃣
أما بالنسبة لسيدنا النجاشي، فما هي قضيته في موضوع التحريف؟ لننتقل أولاً إلى الكلام في قضية التحريف -التي تخص صورة النجاشي- لأنها صورة مؤسفة شوية.
أليست الإنجيل واقعاً فيه تحريف يا جماعة؟ بلى، قد وقع فيه التحريف. إذن، هل كان النجاشي يحكم الناس بالإنجيل أم لم يكن يحكم به؟ ألم يجِئ في بعض الروايات أنهم لما تكلموا مع سيدنا جعفر قالوا، فقال لهم: "ما تقولون؟" قالوا: "أنت أعلمنا". وكان النجاشي عالماً بالدين إذن، فكيد أنه كان يحكم بالإنجيل أيضاً؟
طيب، إذن ماذا قلنا في اللقاء الماضي؟ آخر شيء قلناه، قلنا: فليتنبّه الإنسان؛ خذ عندك هكذا سؤالين مهمين يكونان كالمفتاح لحل هذه المسألة بعون الله وفضل الله عز وجل:
أولا : هل وقع التحريف في الرسم أو وقع في الفتوى؟
ثانيا: فإذا كان قد وقع التحريف في الرسم أو في الفتوى أو كلاهما، فهل وقع التحريف في أصل الدين (أي وقع التحريف في لا إله إلا الله، أو في الشرائع)؟ هذا مهم جداً.
6️⃣
لقد ذكرتُ لك كلام ابن كثير -رحمه الله- حيث قال في كتاب «البداية والنهاية» إن التحريف الذي وقع من أهل الكتاب قد ذُكر فيه ثلاث طوائف، وقلنا إنه ذكر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- بأن طائفة قالت إن التوراة لم تُحرف أصلاً.
ولماذا نذكر التوراة ونحن نتحدث عن الإنجيل؟ لأن التوراة هي العهد القديم، والإنجيل يضم العهدين القديم والجديد، فالتوراة هي العهد القديم المشترك بينهما. فما الذي حدث إذن؟
قال بعض العلماء: لم يقع فيها تحريف مطلقاً.
وقال بعضهم: بل حُرِّفَت كلها.
وقال بعضهم الآخر: بل وُسِط فيها، فحُرِّف بعضها وتُرِك بعضها الآخر.
إذن، يرد هنا سؤال: لقد ثبت وقوع التحريف -كما نطق بذلك القرآن الكريم- ولكن نريد أن نتساءل: هل التحريف الذي يقصده العلماء وقع في رسم النص وحروفه؟ بمعنى، هل إذا فتحنا التوراة نجد فيها حكماً ثانياً وكلاماً غير ما أنزله الله، وكذلك الإنجيل؟ أم أن النص باقٍ على حاله، وإنما حرّفه العلماء بالتأويل والتحريف المعنوي؟
وسنجد أن هناك وقائع تؤكد بقاء بعض الأحكام؛ مثل قول الله عز وجل:
{وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ} [المائدة: 47]
وقول الله عز وجل:
{وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ} [المائدة: 43]
وبطبيعة الحال، لا يمكن أن يكون المقصود هنا هو النص المُحَرَّف؛ لأن الله لا يأمر بالحكم بما حرّفوه.
ولكن توجد أحكام باقية عندهم، فبماذا كان يتعبد الرهبان وغيرهم؟ وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لعدي بن حاتم -رضي الله عنه-: «ألم كانوا يحرمون عليكم الحلال ويحلون لكم الحرام فأطاعوهم؟». إذن، كانت هناك أحكام من حلال وحرام باقية في الشرائع.
وأنا أقول هذا الكلام رداً على من يدّعون أنه بعد مجمع نيقية لم تبقَ فيهم شريعة قط، وأصبح النصارى كالعلمانيين لا يؤمنون بشريعة البتة! فهذه مقولات لا أصدقها، وما جاءت به الشريعة يدل على خلاف ذلك.
والسؤال الثاني هو: هل التحريف -إن وقع- وقع في رسم الكلمات أم في ماذا؟
إذ توجد حادثة صحيحة ثابتة؛ وهي أن رجلاً زنى، فقال اليهود بعضهم لبعض: «لنحتكم إلى هذا النبي»، وقال بعضهم: «إن قال كذا فاقبلوه، وإن قال غير ذلك فاحذروا». فأتوا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- محتكمين، فقال لهم: «ماذا تقول التوراة؟»، فقالوا: التوراة كذا، فقال: «هاتوا التوراة فاقروها».
فجاءوا بالتوراة وقرؤوها، ووضع الرجل يده على آية الرجم وقرأ ما قبلها وما بعدها.
وكان حبر اليهود عبد الله بن سلام -رضي الله عنه- جالساً هناك -وقد أسلم وكان حافظاً للتوراة- فقال له: «ارفع يدك، أزل يدك، لقد أسقطت آية الرجم!»، فقرأها، فرجم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذلك الرجل بناءً على ما احتكموا إليه.
إذن، آية الرجم موجودة في التوراة، أليس كذلك؟ فما قصة التحريف إذن؟
ومثال ذلك أيضاً ما ورد عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- حين قال: «لا تأكلوا من ذبائح النصارى العرب»، فقيل له: ولمَ؟ (وقد خالفه في ذلك عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-)، فقال ابن عباس: «إنهم لا يعرفون من دينهم إلا أكل لحم الخنزير وشرب الخمر». فإذا كانت هناك أحكام قد جهلوها ولم يعودوا عارفينها، فوقعوا في المخالفات هكذا ومسيرتها مستمرة على هذا النحو.
الخلاف في الشرائع أم في أصل الدين؟
والذي أود بيانه هو: هل الخلاف كان في الشرائع أم في أصل الدين؟
فالقرآن الكريم عندما ذكر إيمان أهل الكتاب قال:
{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ} [القصص: 52-53]
فالقرآن يخبر أنهم كانوا من قبل مسلمين! فما حقيقة ما وقع عليهم من التحريف إذن؟
ولننظر في شخصية النجاشي؛ إذ يقول بعضهم -ممن يطلقون هذه الأقوال- إن النجاشي قد أقرَّه النبي -صلى الله عليه وسلم- على حكم طاغوت أو حكم الرجال -نسأل الله العافية-، متصورين أن النبي أقرَّ ذلك! ثم يقولون: إنه مات وكان على قبره نور، وكان مسلماً تماماً! فكأن الله شهد لهم بالإسلام، فما حقيقة هذا الأمر؟
7️⃣
قل لي: كيف شُهِد لهم بالإسلام؟ لأنهم كانوا من الطائفة المسلمة أصلاً، ولم يكونوا ممن حرّفوا شيئاً. فأقول: نعم، ولكن سَيُشْكِل عليك هنا أمر؛ وهو قول النبي -صلى الله عليه وسلم-:
«والذي نفسي بيده، لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بالذي أُرسلت به إلا كان من أصحاب النار» (وفي رواية: «إلا أدخله الله النار»).
إذن، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «يهودي أو نصراني»، أيّ يهودي أو نصراني، سواء علم أو لم يعلم، وسواء لم يُحرّفوا أو أخذوا بالتحريف أم لا. فبناءً على ذلك، فإن مناط النجاة الحقيقي لهذا الإنسان هو إيمانه بمحمد -صلى الله عليه وسلم-.
وقد ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال في صنف آخر: «ورجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، فله أجران».
المناط هنا هو أن يؤمن الإنسان بمحمد -صلى الله عليه وسلم-؛ بمعنى أنه إن كان مسلماً من قبل، فإنه قد حافظ على إسلامه وحقق كماله بالإيمان بالنبي -صلى الله عليه وسلم-.
ولهذا كان النجاشي -رحمه الله- مسلماً من قبل؛ لماذا؟ لأنه لما سُئل عن سيدنا عيسى قال: «واللهِ ما زاد عيسى على ما قلتم مقدار هذه القشَّة من الأرض». وقد قرأتُ لك حديث النجاشي بتمامه من كتاب «البداية والنهاية» وهو حديث صحيح.
إذن، ما الذي كان ينقصه؟ كان ينقصه أن يُخبَر ببعثة النبي -صلى الله عليه وسلم- فيقول: هو هذا الذي بُشّر به! ولما نفر قومه وقالوا: «أنتبع محمداً صلى الله عليه وسلم؟» خالفهم وقال: نعم. فخالفهم واتبع النبي -صلى الله عليه وسلم- وصار مسلماً إسلاماً تاماً.
فما هي القضية إذن؟ وما أثر التحريف؟
التحريف في أصل الدين: إن وقع التحريف في أصل الدين (أي في توحيد الله وكلمة الإخلاص)، فإن هذا الكتابي يصبح كافراً وخارجاً عن حيز الإسلام؛ لأنه تحول من قول: «لا إله إلا الله، عيسى عبد الله ورسوله»، إلى قول: «لا إله إلا الله، عيسى هو الله»، أو «لا إله إلا عيسى»، أو «لا إله إلا الآلهة الثلاثة» (الأقنوم الثالث).
وهؤلاء هم الذين قال الله عز وجل فيهم:
{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} [المائدة: 72]
{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ} [المائدة: 73]
[وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله.]
فكفرهم الله عز وجل بذلك.
أما أولئك الذين وُصفوا بأنهم كانوا مسلمين، هم الذين لم يقع التحريف في أصل دينهم؛ فبقي أصل الدين راسخاً عندهم، وهو: «لا إله إلا الله، عيسى عبد الله ورسوله، موسى عبد الله ورسوله»، وكانوا يؤمنون بقدوم نبي وينتظرونه، فلما بُعث النبي -صلى الله عليه وسلم- آمنوا به وقالوا: «هذا هو الموجود في كتابنا».
أين وقع التحريف عند هؤلاء؟
أما أثر التحريف عند الفريق الذي بقي على أصل الدين، فقد وقع في الشرائع لا في أصل الدين.
فإن قيل: لو أن الإنسان حرّف الشرائع وقال إن الخمر حلال، أو الزنا حلال، فما يكون حكمه؟ أيكون كافراً أيضاً؟
أقول لك: انتبه جيداً؛ فإن هذا التحريف في الشرائع وقع بطريقين:
⇐الطريق الأول:
أن هذا التحريف قد حصل مع فئة من الناس، وتداول الناس الشريعة على هذه الصورة؛ فتداولوا الإنجيل على أن الحلال كذا والحرام كذا، وتناقلوه على هذا الوضع وانتهى الأمر، فبلغتهم الشرائع وهي في أصلها أقوال للرجال ومُحرّفة، فكأنها لم تبلغهم أصلاً (لأن هذه هي المعتقدات المتعلقة بالشرائع)، بينما بقي معهم أصل الدين؛ فكان معهم توحيد الله: «لا إله إلا الله، عيسى عبد الله ورسوله»، وكانوا ينتظرون محمداً -صلى الله عليه وسلم-، ويعلمون أنه إذا بُعث آمنوا به وأوصلوا الناس بذلك، أليس كذلك؟
ولكن حدث لهم إشكال في الشرائع؛ إما بأن حُرّفت الفتاوى فقيل لهم: «هذا جائز»، كما خرج الشيخ سيد طنطاوي وتلك الجماعة وقالوا: «واللهِ إن ربا البنوك ليس ربا، بل هو فائدة وما شابه ذلك»، وانتهى الأمر، ومضى الناس في ذلك! وتقول لهم: «هذا سيد طنطاوي، شيخ الأزهر، وها هي الدنيا تمضي مع الشيخ سيد طنطاوي»، وغيره بالطبع.
فمشوا خلف هذه الفتاوى مع أن النصوص الأصلية موجودة، لكنهم ساروا على هذه الفتاوى على غير صواب، أو أن كل النصوص كانت موجودة عندهم على هذا النحو، فنشأوا عليها وظنوا أنها أمر الله، بينما تحاول فئة من الناس معهم في هذه المسألة لتفهمهم وتبلغهم وما لم يبلغهم... إلى آخر ذلك، وهو الكلام المتعلق بقضايا الدعوة.
حتى إننا نتساءل: ماذا سيفيدنا هذا إذا كان الشخص عندما بلغه الأمر لم يكن يعرف إلا ذلك، وبلغته بالطريقة المذكورة؟ أقول لك: سيفيدنا شيئاً معيناً، وهو هذا الشيء بالذات. ولكن دعني أذكر لك الصورة الثانية، ثم نتكلم في هذه المسألة بعد ذلك.
8️⃣
⇐الصورة الثانية:
هي صورة عدي بن حاتم -رضي الله عنه-؛ فقد كان عالماً بأن هذا الفعل حرام، وأنه موجود في الكتاب أنه حرام، وأخبره الحبر أن هذا حلال لك، أو أن فئة منهم فعلت ذلك وهم يعلمون أنه حرام ومؤمنون بأنه حرام، فخاضوا فيه تلبية لشهواتهم وهم مع ذلك يعلمون أنهم مذنبون! فما حكم هذا؟ حكمه أنه لا يكفر، بل يبقى مرتكباً لمعصية فحسب.
ولذلك، عندما ترى الرجل يذهب ليشتري الخمر من الشارع، ثم تذهب وتقول له: «أنت كافر لأنك تشرب الخمر»، سيقول لك: «لا، أنا لا أستحلها»، فطالما أنني أعرف أنها معصية، فلن أكفر ولا شيء.
ولذلك عندما تأتي وتقول له: «يا أخي، الخمر حرام يا بني، لماذا تشرب الخمر؟ ألا تعرف أن الله حرمها؟» فيقول: «واللهِ لقد حرمها الله! ولكن ادعُ لنا والله يا شيخ، ادعُ لنا معك، والله أن يصرفها عنا، والله نتوب».
9️⃣
إذن فهذا الشخص لم يستحل الذنب، ولهذا قال الطحاوي -رحمه الله- في كتاب «العقيدة الطحاويّة»: «ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله». أرأيت كيف؟ إذن فهو لم يستحل هذا الذنب.
فتقول: «والشرك؟ هل يفعله الإنسان فيخرج به مباشرة؟»
أقول لك: أما الشرك فليس من الملة. ألم أذكر لك كلام الإمام الشاطبي من قبل؟ ركّز معي جيداً؛ فالذي يرتكب الشرك يخرج من الملة ولا يكون تابعاً لتلك الملة المخاطبة أصلاً، بل يصير من المشركين، كما قال تعالى: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً}، فيكون الكافر هو هؤلاء.
وهذه هي الشبهة التي سنفترض الكلام فيها حول المفارقة بين الكافر الأصلي ومن خرج من الملة؛ فالكافر الأصلي ومن خرج من الملة سيّان في حكم فعل الشرك والكفر؛ فالحكم واحد.
المهم إذن؛ أصبح لدينا أناس فعلوا هذه الأفعال وهم مؤمنون بأنها حرام، ولم يسمعوا كلام أحبارهم ورهبانهم، ولم يدخلوا في طاعتهم أصلاً، ولذلك لم يتخذوهم أرباباً من دون الله ولا شيئاً؛ وكل ما في الأمر أن أحدهم يقول: «واللهِ أنت قلت لي كذا وانتهى الأمر، وأنا أعرف أنه حرام، مثل فائدة البنك، أنا أعرف أنه حرام، ولكنني أشرب منه، ولعل الله يعفو عني ونحو ذلك»، وهو منكسر وسائر على هذا الحال. فهذا صاحب معصية وليس مستحلاً.
ولذلك، عندما ترى الرجل يذهب ليشتري الخمر، ثم تذهب وتقول له: «أنت كفرت لأنك تشرب الخمر»، سيقول لك: «لا، أنا لا أستحلها»؛ فطالما أنني أعرف أنها معصية، فلن أكفر ولا شيئاً.
فالذي استحلّ شيئاً وقال لك: «نعم، هو حلال»، وتعاطاه على أنه حلال، فهذه مسألة أخرى. وأما من كفر بذلك فهو الذي شرّع له!
إذن، لقد فرغنا من هاتين الصورتين:
⇐الصورة الأولى: صورة من بلغته الشريعة على هذه النحو، فنشأ عليها أجيالاً وراء أجيال وانتهى الأمر، وبقيت على ما هي عليه.
⇐الصورة الثانية: صورة من يعلم الحكم لكنه يؤمن بأنه محرم (فهذا صاحب معصية).
فالشق الأول -وهو الذي بلغته الشريعة هكذا- ما حكمه؟ حكمه كأنه لم تبلغه الشريعة أصلاً!
ويأتي هنا كلام الإمام محمد بن نصر المروزي، ومثله كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، ومثله كلام لصلاح الدين الحصني، وكلام لابن جزي، وكلام النووي في «المجموع»، ولا يكاد ينفك عن ذلك كلام ابن قدامة المقدسي الذي قرأناه من قبل؛ إذ يجمع الجميع على مضمون واحد:
«إن من جحد الشرائع قبل بلوغها لا يكفر» (ويقول محمد بن نصر المروزي: «الجهل بالشرائع قبل الرسالة ليس كفراً، وبعد الرسالة كفر. والجهل بالله قبل الرسالة كفر، وبعد الرسالة كفر»).
أرأيت الفرق بين الأمرين إذن؟
وقد قال ابن تيمية -رحمه الله- نفس هذا الكلام، فقال: «الجهل بالشرائع قبل الرسالة ليس كفراً، وبعد الرسالة كفر، والجهل بالله قبل الرسالة كفر، وبعد الرسالة كفر».
إذن، فالشرائع لا تلزم حتى تبلغ؛ ولهذا قال ابن تيمية -رحمه الله- كلمة جميلة جداً: «الشرائع لا تلزم حتى تبلغ»، فلا تلزمني الشريعة حتى تصلني.
وهنا نقف عند القصة ذاتها (وهنا نعقب على من يلقي الشبهات على المسلمين ليحلل الشرك -أعمى البصر والبصيرة، والله ينتقم منه-).
أما الذين وقفوا أمام النجاشي -وهم سيدنا جعفر بن أبي طالب وأصحابه -رضوان الله عليهم أجمعين- فكان هناك الكثير من الشرائع التي لا يعرفونها، كما ذكر ابن تيمية؛ لأنهم هاجروا قديماً قبل أن تنزل شرائع كثيرة، والنبي -صلى الله عليه وسلم- ذهب إلى المدينة بينما ظلوا هم في الهجرة (فرجع جعفر إلى المدينة سنة سبع بعد فتح خيبر، أو سنة ست). ألا تتصور أن كل هذه الشرائع نزلت وهم لا يعرفون بها؟ فكانت لا تلزمهم لعدم بلوغها لهم.
ولذلك يقول ابن قدامة المقدسي: «من جحد الصلاة وكان عائشاً بين المسلمين كفر من حينه، من أول ساعتها» -ألسنا نتذكر ما قلناه قبل من أن المسائل الظاهرة يظهر فيها الحكم على الفور؟-، فإن كان حديث عهد بإسلام أو كان ناشئاً في بادية بعيدة، فهذا لا يكفر بل يُعَرَّف.
وعلى هذا درج أهل العلم واتفقوا على هذا المعنى في الشرائع، أما التوحيد فلا؛ فالجهل بالله قبل الرسالة وبعدها كفر، بخلاف الشرائع التي لا يُكفر بجهلها إلا بعد بلوغها.
إذن، فالنجاشي هو أحد هؤلاء: إما أنه وجد الإنجيل على حاله (فالنسخة التي كانت معه لم تكن مترجمة تحريفاً فاحشاً، بل كان يعرف منها الحلال والحرام بخلاف غيره)، أو أن الإنجيل الذي كان معه قد وقع فيه الخطأ في الشرائع ولم يقع في أصل التوحيد.
ولكن اليقين أن النجاشي كان مسلماً حقاً؛ لماذا؟ لأنه قال له: «ما تقول في عيسى قال عبد» -فهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن عيسى عبد الله ورسوله، فانتهينا من هذا الأمر-.
ولما قيل له إن محمد -صلى الله عليه وسلم- قد بُعث، قال: «آمنت به، ولولا الملك لذهبت إليه ولجلست عند قدميه وغسلت عنها...» (بنحو هذا المعنى)، فإذن قد آمن بمحمد -صلى الله عليه وسلم- أيضاً، فصار مسلماً خالصاً.
🔟
وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:
{وَلَا يَسْمَعُ بِي يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ}
إذن، كان النجاشي قبل ذلك مسلماً، فماذا حصل في تلك الشرائع إذن؟ لم تبلغهم، أو بلغتهم محرفةً كما قلت لك من قبل، أو أنها لم تبلغهم أصلاً ولا يعرفون عنها شيئاً البتة، أو نشؤوا كما ينشأ الواحد منا في بادية بعيدة منقطعاً عن العلم تماماً.
والمهم أن الإشكال لم يكن لديهم في أصل الدين، وإنما كان الإشكال قائماً على طاعتها وتفاصيل شرائعها.
إذن، لقد فرغنا من هذا البحث، فماذا نقول؟
نقول: إن النجاشي كان مسلماً، وإن ما حكم به بين الناس في العقيدة كان صحيحاً، وهو أن عيسى عبد الله ورسوله، وأن لا إله إلا الله.
فإن قيل: «أما جماعة الأحبار فقد نفروا نخرة حمر الوحش؟»
فنقول: نعم يا سيدي، كان ملكاً مسلماً يحكم كذا، ولكن كان فيهم ناس مؤمنون! فإن زعم زاعم أنه لم يكن فيهم ناس مؤمنون، قيل له: أنت كذاب فيما تقول؛ فمن يروج لهذا الكلام يستند إلى شبهات باطلة.
بلى، كان هناك مؤمنون حقاً؛ فلِمَ تقول إنه لم يكن فيهم أحد آمن؟ أنت كذاب وجاهل ولا تدري! لأن الحافظ ابن كثير -رحمه الله- ذكر عند قول الله عز وجل:
{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ} [القصص: 52-53]
أن هذه الآيات نزلت في اثني عشر نصرانياً أتوا من الحبشة.
اسمع جيداً: أتوا من الحبشة! وارجع لتقرأ هذا الكلام في كتاب «البداية والنهاية»، واقرأه في «تفسير ابن كثير»، واقرأه في «سيرة ابن إسحاق» و«سيرة ابن هشام»؛ فهو متوافر بين أيديكم.
فقد جاء اثنا عشر حبراً أو راهباً من الحبشة وقالوا: «جئنا نسألك لتعرفنا أخبارك؛ فإن عندنا خبراً أن نبياً سيكون اسمه أحمد -صلى الله عليه وسلم-، فما خبرك؟».
فأخبرهم عليه الصلاة والسلام بما أخبرهم به، فلما أخبرهم الخبر وتلا عليهم القرآن بكوا خشوعاً.
ولهذا قال أبو جهل -لعنه الله، وكان الكلام ذلك في مكة فليتنبه لذلك-: «خابكم الله! أرسلكم قومكم لتنظروا في أمر هذا وتخالفوه، فتركتم شريعتكم وكتابكم ومِلَّتكم، فصُرتم إليه!».
فراحوا قائلين له:
{سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} [القصص: 55]
ومدحهم الله عز وجل بأنهم لا يردون على الجهلة والسفهاء بمثل أفعالهم، وإنما يردون بالحسنى. أَعَرَفْتَ الآن؟
إذن، لقد وُجد في الحبشة ناس مسلمون؛ فكان المسلمون يَؤُوبون إلى النجاشي ويعلمون أن ما يقوله هو الحق السليم، وكان الذين أبوا بعد ذلك هم جماعة من المشركين يحكمهم ملك مسلم، والمسألة أبسط مما يتصورون كما رأيت.
وبهذا تتبين لك بطلان تلك الشبهة؛ فهي لا تنفع في نفسها ولا في تركيبها، وأخطأ من أسسها، وأخطأ من بحث عنها، وأخطأ من ركب عليها الحكم، وأخطأ من أباح للناس الشرك!
فحسبنا الله ونعم الوكيل في هؤلاء المجرمين الذين يعبثون بأصل دين الإسلام، ويغررون بضعفاء المسلمين، ويوقعونهم في الشرك.
وإذا بقي الشق الثاني؛ وهو صلاح الدين الأيوبي، والشق الخاص بسيدنا يوسف -عليه السلام- لتولي الوزارات والحكومات، فهذا ما سأعرج عليه -إن شاء الله تعالى- في المجلس القادم.
أسأل الله عز وجل أن يجعلني وإياكم ممن إذا دُعي بادر، وإذا نُهي انتهى، وعقل مثواه فهدى لنفسه.
وأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، والحمد لله رب العالمين.
Что скажете?
Читатели всех языков этой статьи откликаются здесь вместе.
Об авторе
Шейх Самир Мустафа — египетский исламский проповедник Абу Абд ар-Рахман Самир ибн Мустафа ас-Суюти. Родился в мухафазе Асьют в 1976 году, вырос и прожил большую часть жизни в городе Хелуан в мухафазе Каир. Становление и обретение знаний Шариатское образование: с юных лет стремился к изучению шариатских наук и обучался у ряда крупнейших шейхов и учёных Египта. Наиболее известные учителя: учился у шейха Хасана Абу аль-Ашбаля аз-Зухайри, шейха Абу Исхака аль-Хувайни и шейха Мухаммада Абд аль-Максуда, был близок к шейху Мухаммаду Хусейну Якубу и неотлучно сопровождал его. Проповедническая и научная деятельность Проповеди и лекции: известен своей проникновенной ораторской манерой, близкой и понятной молодёжи; произнёс сотни проповедей и провёл сотни уроков в мечетях Каира, Гизы и ряда других египетских мухафаз. Научные интересы: в своей проповеди сосредоточился на утверждении правильного вероучения, преподавании жизнеописания Пророка и исламской истории, а также на воспитании душ. Наиболее известные циклы и труды: подготовил множество знаменитых циклов и записанных уроков, среди которых цикл «Великие сражения в исламе», цикл «Толкование коротких сур» и «Истории пророков», а также курировал ряд проповеднических сочинений и брошюр. Арест Задержание: его проповедническая деятельность прервалась после ареста в 2017 году, когда он направлялся в поездку для совершения умры; с тех пор он остаётся под стражей.
Поддержка
Помогите оплатить следующий перевод
Turjuman можно читать бесплатно на всех языках, на которых он выходит, и рекламы здесь нет. Денег стоит перевод. Если этот текст стоил вашего времени, вы можете послать что-нибудь на следующий.
USDT · Tron (TRC20)
TCxC8zmmK9fqDy7B4FbeNs2hXJkfMQ6vjc
Отправляйте только названную здесь монету и только по названной здесь сети. Перевод, ушедший не по той сети, не вернёт никто.
Обсуждение
Под всеми языками этой статьи идёт один разговор. Те, кто прочёл её на языке Русский, и те, кто прочёл её на любом другом, говорят здесь вместе.
Чтобы присоединиться, нужен аккаунт. Понадобится адрес почты и пароль, больше ничего.
Пока никто ничего не сказал. Вы можете быть первым.