Għadu mhux tradott għal din il-lingwa العربية
المجلس السابع والتسعون
الحلقة السابعة والتسعون
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله الذي لم يزل عليماً حكيماً، وصلى الله وسلم وبارك على محمد الذي أرسله ربه إلى الناس بشيراً ونذيراً، وعلى آل محمد وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
••┈┈┈┈┈┈┈┈┈┈┈••
أما بعد؛ فهذا مجلس جديد من مجالس «العروة الوثقى»، أسأل الله عز وجل، وهو ولي الإسلام وأهله، أن يمسكنا بالإسلام حتى نلقاه به.
تحدثنا في اللقاء الماضي عن الآية -ويمكن القول إنها الآية الوحيدة، إن لم يكن ثمة ما ابتدعوه شيئاً آخر- التي كانوا يعتذرون بها عن قضية الجهل بالنسبة للمشرك، وأنه يحتفظ باسم الشرك مع كونه قد فعل أفعال الشرك.
وهذا بالطبع مناقض للكتاب والسنة والإجماع والعقل؛ فالنائم نسميه نائماً، والزاني نسميه زانياً، والسارق نسميه سارقاً، وأما المشرك فلا يُقال إنه مسلم، وهذا شيء في غاية العجب! المهم أنهم يجادلون عن المشركين بهذه الشبهة.
ثم نأتي بعد ذلك إن شاء الله إلى قضية السنة. وأود أن أذكركم بقاعدة ذكرناها من قبل في ثنايا مجالس العروة الوثقى -لو تذكرونها- وهي أن أهل السنة يستدلون ثم يعتقدون، وأهل البدعة يعتقدون ثم يستدلون، وهذا هو الفرق بينك وبين أهل البدعة.
فعندما أسألك اليوم: أين الله؟ فلن تتعجل الإجابة حتى تراجع القرآن والسنة وما قرره أهل العلم، لتجد أن الله عز وجل في السماء، قال تعالى: {الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ}، وقال: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ}، وقال: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ}، فعرفنا أن الله في السماء، وأن الله على العرش استوى سبحانه وتعالى.
وحين يُقال أين الله؟ تقول: الله في السماء عز وجل فوق سبع سماوات فوق عرشه سبحانه وتعالى، كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم حين تحدث عن السماوات وقال: (السماء السابعة، وفوق السماء السابعة بحر، وفوق البحر عرش الرحمن، وفوق العرش الله عز وجل) سبحانه وتعالى.
وبهذا اعتقدت هكذا لأني استدليت أولاً وعرفت الدليل.
وعندما أقول: استدليت، فأنا لا أعني ما تقوله الأشاعرة في باب وجوب النظر والاستدلال ابتداءً كأول واجب، بل أول واجب على المكلف هو توحيد الله عز وجل، ولكن المراد أنك بالدليل عرفت العقيدة والخطاب الشرعي وما خاطبنا به ربنا عز وجل؛ فهذه هي القضية، ما الذي ربطك بربنا؟ الرسل. فالرسل جاءت فربطتنا بربنا، وعرفتتنا على الله عز وجل، وما يطلبه منا وما ينهانا عنه سبحانه وتعالى، فبهذا عرفت هذه المسائل.
وقلنا في الدرس الماضي إن الصفات من المتشابه؛ ولذلك قلنا إنها ليست الأصل المطلق.
وعندما تحدثنا عن مسألة "هل يستطيع ربك"، قلنا إن إنكار الاستطاعة لا يُكفّر به صاحبه، لأن الصفات تُعرف في الجملة.
وهذا ما سنكرره اليوم إن شاء الله؛ وهو أن الصفات تُعرف في مجملها بالعقل، وأما بالتفصيل فتُعرف بالشرع.
ومتى وُجد الشرع، عُلم أن الإنسان قد يعلم به وقد يجهل.
وهذا بخلاف ما إذا تحدثنا عن الفطرة؛ فعندما تكلمنا عن أصل الدين قلنا إنه فطرة، {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}، فإذا قلت لي إنه لا توجد رسل، أقول لك: حتى وإن لم تكن رسل -قبل بعثتها- فإنك تعرف الله بفطرتك، وهو القدر الذي يتعلق بأصل الدين، كما ذكرنا ذلك مستفيضاً بالأدلة في مسألة الفطرة.
وكذلك ثبوت اسم الشرك قبل الرسالة؛ فمن أشرك فهو مشرك حتى قبل بعثة الرسل، يسمى بذلك، كما قال الله عز وجل: {اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ} حين ذهب إليه سيدنا موسى عليه السلام.
فهناك أسماء تطلق قبل الرسالة، كما ذكرنا في تصفية مسألة الأسماء والأحكام، وأرجو أن تراجعوها مرة أخرى؛ لأن هذه قاعدة مهمة جداً؛ فمسألة التحسين والتقبيح، ومسألة الأسماء والأحكام مهمتان للغاية في معرفة أصل دين الإسلام وبعض أحكامه وما يتعلق بأحكام الشرك وغير ذلك.
ومعنا اليوم حديث يشبه الآية التي وردت في شبهات المدافعين عن المشركين أو فاعلي الشرك، وهي قول الله عز وجل: {إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ...}؛ فهذه نفس القضية تقريباً.
وهذا الحديث مشهور جداً، وهو أن رجلاً لم يعمل خيراً قط إلا التوحيد -وانتبه لهذه الرواية جيداً-: «لم يعمل خيراً قط إلا التوحيد»، هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم. فلما حضرته الوفاة جمع أولاده وقال: أيّ أب كنت لكم؟ قالوا: خير أب. فقال: فإني آمركم بشيء إذا أنا مت فاحرقوني، واصحنوني (أي اطحنوني)، وذروني في يوم شديد الرياح؛ فلئن قدر عليّ ربي ليعذبني عذاباً ما يعذبه أحداً من العالمين.
فلما مات نفذوا وصيته بالفعل؛ فأحرقوه وطحنوه وذروه في الرياح لشدتها، فتفرق في الهواء.
2️⃣
ولكن أمر الله عز وجل نافذ بقوله كن سبحانه وتعالى، فكيف كان التصور؟ قال: كن، فكان قائماً أمام الله عز وجل بشحمه ولحمه! فقال له: عبدي، ما حملك على ما فعلت؟ وهو أعلم سبحانه وتعالى بذلك، لكنه يقرره، وانتبه هذه مسألة عقدية أيضاً، مثلما قال الله سبحانه وتعالى لسيدنا عيسى ابن مريم عليه السلام: {أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ}؛ فالله يعلم، لكنه يقول له ذلك ليقرر الإنسان بفعله.
وهناك أمر آخر؛ وهو أنه يُشرف سيدنا عيسى عليه السلام أمام العالمين ليبَرئه بأنه لم يقل ذلك قط.
الشاهد من هذا كله هو أن الله لا يحكم على الناس بعلمه فيهم، وإنما يحكم عليهم بما فعلوه، وليعلم الذين نافقوا -انظر إلى معنى "ليعلم الذين نافقوا" أي ليظهر النفاق، فلما يظهر النفاق يُأخذ الاسم على الفور-. نسأل الله العظيم العفو والعافية!
فقال له: ما حملك على ما فعلت؟ قال: خشيتك، كنت خايفاً منك ففعلت ذلك.
فقال: «فقد غفرت لك». هل انتبهت لهذا الحديث؟ انظر كم هو عجيب!
إنه روضة من رياض الجنة والله، روضة! عندما تأملونه... طيب يا إخوة، كلمونا عن حلم الله، وفضل الله، وقوة وقهر الله عز وجل.
انظروا إلى هذا الرجل الذي طُحن حتى صار دقيقاً هباءً منثوراً وتفرق في الجو، والله عز وجل القهار يقول له: كن! فوقف أمامه سوياً على رسله.
كلموني عن أن الله عز وجل فعال لما يريد، كلموني عن أن الله عز وجل يغير لكم الواقع، كلموني عن أن الله عز وجل ينصركم، كلموني هكذا يعني!
أتدرون يا إخوة -معذرة دعوني أخرج عن الموضوع قليلاً- أحياناً يسأم الواحد من كثرة الشبهات والأمور المشابهة، ونريد أن نرتقي قليلاً، فنتباحث عن الله عز وجل وعظمته، لا عن الحروب والجدال طوال الوقت؛ فأحياناً يحتاج الإنسان إلى ذلك.
ألم تروا الصحابي الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن صفة من صفات ربنا عندما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل يضحك لثلاثة؟ وإذا ضحك الله عز وجل لعبد فلا يعذبه أبداً.
فلما ذكر صفة الضحك، قام صحابي وقال: يا رسول الله، أويضحك ربنا؟!
وهنا أقول لكم: إن الصفات ليست كلها معروفة بالتفصيل؛ فمنها ما يُعرف بالشرع محضاً، ومنها ما يُعرف في مجمله بالعقل ثم يُفصل بالشرع.
فلما سأل الصحابي وقال: يا رسول الله، أويضحك ربنا؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم، يضحك ربنا».
فقال الصحابي فرحاً متعجباً: بخٍ بخٍ! لو عرضت هذه الكلمة هنا على أصحاب الشبهات، لقالوا لك: يضحك ربنا؟! إذن أنت تشبه ربنا بخلقه، فربنا إذن له لسان وشفايف وأسنان ولسان مزمار! ويبدأون في حياكة حكاية طويلة عريضة.
يا عم، ربنا قال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، وكل صفة تابعة لموصوفها، فقد اثبت لنفسه أنه يضحك، فكيف يضحك؟ لا أعرف!
وهذا هو موضع الشبهة في باب الصفات، ولذلك وصفها النبي بأنها من المتشابهات.
وعندما ذكر سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنه صفة من صفات الله عز وجل، كان هناك رجل من الخوارج جالساً فأراد أن يُشغب، فارتجف وقال مستنكراً ما سمع، فقال له ابن عباس رضي الله عنهما: (ينصطون عند محكمه، ويهلكون عند متشابهه)، فسمى الخوض في المتشابه هلاكاً.
وقد يقول قائل: وكيف تكون صفة العلو متشابهة مع أن ابن القيم رحمه الله قال إن عليها ألف دليل؟ أقول لك: التشابه ليس هنا، بل التشابه يكمن في قضية المثلية والكيفية.
ولذلك لما دخل الرجل على الإمام مالك، الإمام الراسخ في العلم رضي الله عنه، إمام دار الهجرة، وسأله قائلاً: يا أبا عبد الله، {الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ}، كيف استوى؟ أخذ الإمام مالك من هيبة الله عز وجل رِعْدة وعرق جبينه، وظل مطرقاً برأسه حتى سال منه العرق كأنما أُصيب باضطراب شديد، انظروا إلى خشية العلماء من الله عز وجل! ثم رفع رأسه وقال: «الاستواء معلوم» -وفي رواية: غير مجهول- من أي وجه؟ من حيث اللغة العربية، فمعنى استوى أي ارتفع، فالله على العرش وانتهى الأمر. قال: «والكيف مجهول، والايمان به واجب، والسؤال عنه بدعه، وأخرجوه! لا أرانِي لك وجهاً، فما أراك إلا مبتدعاً»! وطرده وفي رواية أنه ضربه.
والشاهد هنا ما هو؟ ما الموضع الذي يجعل الصفات تكتنفها الشبهة؟ إنه حين تظن أنك تدرك الكيفية؛ فالرحمن على العرش استوى مفهوم تماماً في لغة العرب أنه فوق العرش.
ولكن الشاهد أن «الكيف مجهول».
فمثلاً عندما أجلس أنا على الكرسي، أجلس بطريقة تليق بكوني إنساناً، ولو جلس حيوان -أعزكم الله- لكانت جلسته مختلفة، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقعي الرجل في الصلاة كاقعاء الكلب؛ فالكلب يقعي بطريقة تخصه، والبشر يقعدون بطريقة تخصهم، والجن لهم هيئتهم، فكل صفة تتبع طبيعة موصوفها.
3️⃣
وحين نقول: استوى الله على العرش، تقول: أثبت الصفة ولا أدري كيفيتها.
وبذلك نكون قد خرجنا عن قول المفوضة الذين زعموا أن السلف يفوضون المعنى؛ فالسلف لم يفوضوا المعنى، وحاشا لله أن يكون في القرآن كلام بلا معنى، فربنا ما كلمنا بكلام لا ندرك معناه، بل المعنى معلوم ومفهوم، وإنما المفوضة هم الذين فوضوا الكيفية.
الشاهد أن هذا هو موضع الشبهة؛ إذ استوى، فدخلوا في هذه الحيثية، إذ يتعين أن يقال هنا: كل من عند ربنا، فلا كلام في الكيف.
أما أولئك المبتدعة فقد خاضوا في هذه المسألة من هذا الباب، ومن ثمَّ حصل الإشكال في باب الصفات بسبب قضية الكيف لا بسبب لغة الخطاب.
فقال الصحابي للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، أويضحك ربنا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم، يضحك ربنا».
فقال: بخٍ بخٍ! وهذه اللفظة -أيها الإخوة- عند العرب تعبير عن شدة الفرح والسرور، كأن يقول أحدهم: "هيه" أو "أحسنت" ونحو ذلك.
ومما يُحكى عن الحجاج -وكان طاغية مجرماً- أنه لما هزم عبد الرحمن بن الأشعث، أسر شاعراً كان يمدح عبد الرحمن بن الأشعث وأباه بقوله: "بخٍ بخٍ لوالده وللمولود"
-وهي تُقرا بأوجه متعددة-. فلما جيء به أسيراً، قال له الحجاج: أنت القائل: "بخ بخ لوالده وللمولود"؟ قال: نعم أيها الأمير. قال: والله لا أجعلُك تبخبخ بعد اليوم! وأمر بضرب عنقه.
والشاهد أن الصحابي قال: "بخٍ بخٍ"، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «وما حملك على قولك بخٍ بخٍ؟».
لقد لفت النظر بفرحه العظيم، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يقف على فقهه عن الله عز وجل.
فقال الصحابي: يا رسول الله، لأننا لن نعدم خيراً من رب يضحك! انظر إلى ما علق عليه من هذه الصفة؛ إذ فهم أن من ضحك ربُه فالمسألة قريبة، وأنه سيكون بينه وبين ربه لينٌ؛ ألا ترى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق»؟ فإذا قابلت شخصاً وابتسمت له أمنت شره ولم يعاقبك، فكيف برب العالمين؟ فلما أيقن أن هذه صفة لله عز وجل فرح غاية الفرح، وعلم أنه إن اعتذر قبل منه، وإن تاب توب عليه.
هكذا تفتح لك صفات الله عز وجل الطريق للوصول إليه سبحانه وتعالى، بخلاف ما إذا اتبعنا الشبهات التي تحيل الصفات إلى نزاع وخصومة وحرب، ونبقى نخوض في المسائل بلا برهان حتى ينحرف المنحرفون.
وكنت أتفكر في هؤلاء الذين يبحثون عن أعذار لمن يرتكب الشرك لكي يخرجوهم مسلمين! ونقول يا إخوة: عندما تتكلمون في هذا المبحث بالذات -موضوع العصاة، سواء ارتكبوا الشرك فصاروا مشركين، أو كانوا مسلمين عصاة فساقاً، أو نحو ذلك-، فبمجرد أن تسمع أن أحداً عصى الله، يجب أن تقف في صف الله عز وجل؛ فهذه هي موالاة الله.
قال الله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا}، فموالاة الله تقتضي أن تقف في جانبه، لا أن تتذرع بالجهل وتقول إنه لم يكن يدري! كلا، بل تقف وتقول: ماذا أمر الله به؟ فأنا من أصل الأمر متخذ موقفاً، ولكني أريد أن أتبين إلى أين يصل هذا الموقف.
وهذه هي إشكالية الناس اليوم؛ إذ اتصفوا بصفة أهل الزيغ؛ كما قال تعالى: {وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا}، فتجد الكافر دائماً يتعاون مع أعداء الله ضد الله عز وجل، يعمل جاهداً ضد دينه، يظاهر على ربه.
أما المؤمنون فلا؛ بل يتولون الله عز وجل.
فلا بد أن يكون هذا هو موقفك أولاً، ثم تنظر: ماذا قال الله؟ إن قال لي: اعفُ عنه، عفوت عنه.
وإن قال: اضرب عنقَه، ضربت عنقه. وإن قال: خاصمه، خاصمته وهجرته كما أمر الله عز وجل، فحينئذ تهتدي في هذا الباب.
وأما ما يحدث اليوم ممن يفتتنون في ذلك، فالشاهد أن هؤلاء القوم يبحثون -كما ذكرت لك- عن أعذار لهؤلاء المشركين! فماذا صنعوا؟ ذهبوا يقولون: إن الرجل قال: (فلن يقدر علي ربي)، ومعنى هذا أن الرجل أنكر قدرة الله، وإنكار قدرة الله أمر لا يجهله العقل، أفلا يعلم الإنسان بعقله أن الله قدير؟ أم إنه ظن أن الإله عاجز -والعياذ بالله-؟ فإذا كان الله قديراً وعلم أنه قدير، ثم أنكر القدرة، فهو كافر، ومع ذلك أدخله الله الجنة! ثم يستدل أصحاب هذا القول بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وتلميذه ابن القيم رحمه الله.
4️⃣
فقد ذكر ابن تيمية هذا في الفتاوى وغيرها، وذكر ابن القيم نحوه في «مدارج السالكين» وغيره من الكتب؛ حيث قالوا إن هذا الرجل عذره الله عز وجل بجهله، فهل في الشرك عذر بالجهل أم لا؟ فأقول له كما قررناه في المرة السابقة: تعالوا أولاً نضع القواعد، وأنت يا إخوة -كما ذكرت لكم- ما دمت حافظ على القواعد؛ فطول ما أنت منضبط بها فلن يستطيع أحد أن يدخل عليك بشبهة، لأن القاعدة تطرد ما ليس منها وتقبل ما يوافقها فقط، فتبقى واقفاً على أرض صلبة.
نقول: نحط القواعد أولاً؛ فبماذا نتحدث؟ نتحدث عن الشرك الأكبر.
والشرك الأكبر هو صرف العبادة رأساً لغير الله، وهو الذي ينقض «لا إله إلا الله»، كما قال الهروي رحمه الله في «منازل السائرين»: إن «لا إله إلا الله» الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، هذا التوحيد هو الأصل الأعظم، وهو الذي يقابل الشرك الأكبر ويصده؛ فإذن هو أصل الدين.
فأقول له: أنا أكلمك في أصل دين الإسلام، ولا أكلمك في مسائل الصفات التي جئتني بها وتقول فيها: «فلن يقدر علي ربي» فأنكر القدرة، فهذا خروج عن مسألتنا؛ لأنه يكلمني في باب آخر، ودأب أهل البدعة أنك إذا كلمته في مسألة جلبك إلى مسألة أخرى.
ولذلك، فإن المناظر الفطن يجب أن يكون واعيًا جداً لمسألة «حفظ نقطة البحث»، فلا يتركها أبداً، حتى لو كتبها أمامه بخط واضح وتذكرها دائماً لكيلا يدعه يأخذه معه.
والشاهد أننا قلنا له: هذه ليست نقطة البحث، نحن نتحدث عن الشرك الأكبر والكفر البواح، وأما مسائل الصفات فهي من المسائل المحتمله أو الخفيه أو التي تخفى مسالكها، وبالتالي فإن العلماء يجعلون فيها الكفر مُطلقاً ولا يتكلمون فيه في حق المعين، فهذه مسألة أخرى، وأنا لا أكفره ابتداءً حتى تقول لي: هل أُعذر بالجهل أم لا؟ إذن، هذه قضية منفصلة.
الأمر الثاني: يجب ألا تنسى القاعدة الكليّة التي لا ينقضها كثرة مسائل وقائع الأحوال والمسائل الجزئية، وهي القاعدة المشتركة التي قررها الشاطبي والقرافي والنووي وابن تيمية وغيرهم، وهي أن «المسائل الجزئية لا تنقض الأصول الكلية».
فماذا نعمل؟ نمسك المسائل الجزئية ونحاول تأويلها لتدخل في حضن المسائل الكلية؛ فإن لم نستطع، تركنا المسائل الجزئية جانباً وقلنا: «كل من عند ربنا»، وتمسكنا بالأصل الكلي والخطاب العام -وقد قلنا هذا بالأدلة في ثنايا حلقات «العروة الوثقى» فراجعوها، لأنها قاعدة مهمة للغاية-.
الأمر الثالث: الإجماع؛ فالإجماع قائم على أن من فعل الشرك فهو كافر، فلو فرضنا جدلاً أن هذه المسألة شرك -كما تقولون- لقلت لك: أنت مخطئ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكفر صاحبه على ما فهمه ابن تيمية، بل أخبر بأنه دخل الجنة، وهذا خبر معصوم، فدل على أنه لم يُكفَّر.
أما عندي أنا، فمن أشرك فهو كافر مشرك على الفور، فهذه المسألة إذن خارجة عن الإجماع.
ولو استطعنا تأويلها لتتوافق مع الإجماع فهذا هو الأصل، وإن عجزنا أخذنا بالإجماع وتركنا المسألة الجزئية.
الأمر الرابع: نقول إن المسألة أساساً ليست في إنكار القدرة؛ أهو أنكر قدرة الله عز وجل كلها؟ لا، بل الرجل لم ينكر القدرة كلها، فالعقل لا يجهل أن الله قدير.
أمال ماذا فعل؟ هو أنكر صوره من صور القدرة؛ لأن الإنسان بطبيعته يرى العادة جارية بأن من يموت يدفن كجثة كاملة ثم يبعث كذلك، ففكر الرجل وقال: لو أنني طُحنت ونُثرت في الهواء، فربنا -بحسب عادته في الموتى- لن يقدر على جمع رفاتي بالطريقة المعتادة، فظن أن عادته سبحانه وتعالى أن يفعل كذا وكذا، فأنكر صورة من صور القدرة بناءً على هذا التصور، وهذا ما تكلم فيه شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله في بعض مقالاته.
الأمر الخامس: أن أكثر العلماء خالفوا شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله، وقالوا: إن كلمة «قَدَرَ» هنا لا تعني القدرة لا لغة ولا شرعاً، فما معناها إذن؟ قالوا: معناه «التضييق»، أي: (فلن ضيَّق عليّ ربي)، نظير قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من نُوقش الحساب عُذب»، فأول ما يحاسب الله العبد ويقرره بكل صغيرة وكبيرة يعلم أنه معذب، بخلاف من يغفر له ويسامحه.
وعندما يقول: {فلن يقدر عليّ ربي} أي فإن ضيق عليّ في الحساب.
ومن هذا الباب سُميت «ليلة القدر» بذلك؛ لأنها تكون في أيام معلومة ومحددة وليست مبثوثة وسط السنة، فكلمة «القدر» هنا بمعنى التقدير والتضييق أو التحديد، لا العجز والقدرة.
أليس كذلك؟ بل لا يمكننا أن نقول إن معنى "قَدَرَ" هنا هو إنكار القدرة؛ لا لغةً ولا شرعاً.
5️⃣
ويدل على ذلك قول الله عز وجل حكاية عن سيدنا يونس عليه السلام: {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ}، فهل يُعقل أن يظن نبي من أنبياء الله عز وجل أن الله لا يقدر، أو أن يجهل صفة القدرة؟ حاشا وكلا! بل المعنى: ألن نُضيق عليه، ولهذا ضيق الله عليه وحبسه في بطن الحوت.
وبهذا يتبين أن رأي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذه المسألة ليس هو الراجح، وحتى لو أخذنا به تنزلاً، فلا حجة فيه من هذه الوجوه كلها.
ثم إن هناك وجوهًا أخرى؛ منها أن الرواية عند الإمام أحمد تنص على أن رجلاً لم يعمل خيراً قط إلا التوحيد.
فما معنى التوحيد هنا؟ معناه أنه رجل موحد مات على التوحيد ومعه أصل الدين.
ولهذا أقول لكم إنه يجب الفرق بين أصل الدين وبين غيره من المسائل؛ فهو معه أصل دين الإسلام، وهو عبادة الله وحده لا شريك له والكفر بالطاغوت ومخاصمة الكفار، لكنه جهل صفة من الصفات فمات مسلما على أصل إسلامه وعُذر بجهله لتلك الصفة -وهذا على سبيل التنزل مع قول شيخ الإسلام-.
وإلا فالأصل أن المسألة ليس لها تعلق بالصفات أصلاً، فليس الحديث في بابه.
ولهذا يُتمثل مع أهل الزيغ الذين يعرضون الشبهات ويتركون الأصول الكلية ببيت الشعر السائر:
سألته عن أبيه فقال: خالي شعيب!
وهذا هو عين ما يفعله هؤلاء؛ تحدثه عن أصل الدين فيجيبك بمسألة في الصفات! يا سيدي، هذه صفات، وأنا أكلمك عن أصل الدين والكفر بالطاغوت؛ فالطاغوت له جنحان: عبادة غير الله، والتشريع (مما سنتكلم عنه اليوم).
فأنا أكلمك عن أصل دين الإسلام، لا عن صفة من الصفات.
إذن، فهذا الحديث يخرج من هذه الأوجه كلها، ولا دخل له بالقضية من أساسها.
هذا أولاً،
وثانياً: أنه حتى في نفسه ليس هو الكفر البواح الذي يخرج من الملة، ولذلك لا نقدر أن نقول إننا نعذره بدعوى أنه كفر ثم أُعذر، لأننا لم نكفره ابتداءً؛ لكون جهل هذه الصفات مما يُعذر فيه لعدم إدراكها بالضرورة العقلية المحضة.
ثم سنكمل -إن شاء الله عز وجل- بقية الأحاديث في اللقاءات القادمة، ثم نعرج على أقوال أهل العلم في الرد على المجادلين عن المشركين.
نسأل الله عز وجل أن يجعلنا وإياكم ممن إذا دُعي بادر، وإذا نُهي انتهى، وعقل مثواه فهدى لنفسه. وأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
Xi ħsibt dwaru?
Il-qarrejja ta’ kull lingwa ta’ dan l-artiklu jirreaġixxu hawn flimkien.
Dwar l-awtur
Is-Sejk Samir Mustafa huwa l-qaddej Iżlamiku Eġizzjan Abu Abd al-Rahman Samir ibn Mustafa al-Suyuti. Huwa twieled fil-Gvernatura ta' Asyut fl-1976 u kiber u qatta l-biċċa l-kbira tal-ħajja tiegħu fil-belt ta' Helwan fil-Gvernatura tal-Kairo. L-edukazzjoni u l-Purssegwiment tal-Konoxxenza Studju reliġjuż: Huwa ddedika lilu nnifsu għall-purssegwiment ta' għarfien reliġjuż minn żagħżugħ tiegħu u studja f'idejn numru ta' sheikhs u studjużi ewlenin fl-Eġittu. L-għalliema l-aktar prominenti tiegħu: Studja taħt Sheikh Hasan Abu al-Ashbal al-Zuhayri, Sheikh Abu Ishaq al-Huwayni, u Sheikh Muhammad Abd al-Maqsud, u kien kompjan mill-qrib u kostanti ta 'Sheikh Muhammad Hussein Yaqoub. Preaching and Scholarly Activity Sermons and lectures: Huwa sar magħruf għal stil oratorju eċċitanti li tkellem direttament lill- żgħażagħ, u hu għamel mijiet ta' sermoni u lezzjonijiet fil- moskejt tal- Qahira u Giza u f'diversi governaturi Eġizzjani oħra. Interess tal- istudji: Fil- predika tiegħu huwa pkonċentrat fuq il- bini ta ' credo sound, fuq it- tagħlim tal- ħajja tal- Profeta u l- istorja Iżlamika, u fuq il- kultivazzjoni tal- ruħ. Serje u kitbiet ewlenin: Huwa pproduċiet ħafna serje u lezzjonijiet rreġistrati magħrufa sew, l-aktar importanti fosthom is-serje "Il-Battalji kbar tal-Islam", "Kommentarju fuq is-Sura Qassisin", u "Istorji tal-Profetaw", minbarra li jissorvelja numru ta ' xogħlijiet u ffollijiet dwar il-pussess Iżlamiku. Arrest: L- attività tiegħu ta' ppridkar pubbliku waqfet wara li ġie arrestat fl-2017 waqt li kien qed jivvjaġġa biex jagħmel ir- riti tal- Umrah, u minn dak iż- żmien għadu fil-ħabs.
Sostenn
Għin tħallas għat-traduzzjoni li jmiss
Turjuman jinqara b’xejn f’kull lingwa li jippubblika biha, u ma jġorr l-ebda reklamar. It-traduzzjoni hija l-parti li tiswa l-flus. Jekk din il-biċċa kienet tistħoqq il-ħin tiegħek, tista’ tibgħat xi ħaġa lejn dik li jmiss.
USDT · Tron (TRC20)
TCxC8zmmK9fqDy7B4FbeNs2hXJkfMQ6vjc
Ibgħat biss il-munita msemmija hawn, fuq in-network imsemmi hawn. Trasferiment mibgħut fuq in-network żbaljat ma jista’ jiġi rkuprat minn ħadd.
Diskussjoni
Konversazzjoni waħda tgħaddi taħt kull lingwa ta’ dan l-artiklu. Min qrah bil-lingwa Malti, u min qrah b’kull lingwa oħra, qegħdin jitkellmu kollha hawn.
Għandek bżonn kont biex tissieħeb. Jeħtieġ indirizz elettroniku u password, xejn aktar.
Għadu ħadd ma qal xejn. Tista’ tkun l-ewwel wieħed.