Бул тилге азырынча которула элек العربية
المجلس التاسع والسبعون
الحلقة التاسعة والسبعون
1️⃣
السَّلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاته.
الحمدُ للهِ الذي لم يزل عليمًا حكيمًا، وصلَّى اللهُ وسلَّم وباركَ على محمدٍ الذي أرسله ربُّه إلى الناس بشيرًا ونذيرًا، وعلى آلِ محمدٍ وصحبِه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
••┈┈┈┈┈┈┈┈┈┈┈••
أمَّا بعد:
فهذا مجلسٌ جديدٌ -أيها الإخوة- من مجالس العروة الوثقى، أسأل اللهَ عزَّ وجلَّ، وهو وليُّ الإسلام وأهلِه، أن يُمسكَنا بالإسلام حتى نلقاه به.
انتهينا من مسألة المصلحة والمفسدة، وكثرت المقولات -كما رأيتم-، بل والإجماع على أنَّه لا مصلحةَ ولا مفسدةَ إلا تحت الإذن الشرعي، وليس فيها ما يُستمدَح به الإنسان، أو تجري به العادة، أو يُنظر إليه بطبعِه.
#والشيء_الثاني: أنَّ المصلحة لا تكون مصادمةً لكتابٍ، ولا لسُنَّةٍ، ولا لإجماعٍ، ولا لقياسٍ جليٍّ، كما قال أهلُ العلم، وقال الشاطبي رحمه الله -فيما نقلنا في اللقاء الفائت- كلامًا في هذا الموضع، فلم يقل إلا: إنَّها لا تُصادم دليلًا شرعيًّا، فإنَّما تُؤخذ من هذه الأشياء.
↻ثم زاد شيئًا آخر رحمه الله، فقال: إنَّ المصلحة المرسلة لا يُعمل بها أبدًا في التعبدات؛ لأنها غيرُ معقولة المعنى، وإنما يُعمل بها في العاديات؛ لأنها مفهومة المعنى.
⇐ثم ذكرنا اتفاق الأمة على أنَّه إذا كان النظر الشرعي يقول: إنَّ هذا لا مصلحة فيه، ورُدَّ هذا بمصلحةٍ متوهَّمة، فإنَّ هذا مردودٌ بالإجماع، ولا يحلُّ الأخذُ به بالإجماع.
◄ولذلك لما تكلَّمنا في مسألة الشرك الأكبر قلنا: إنَّه مردودٌ ومنهيٌّ عنه في الشرع، ولذلك لا يحلُّ بالإجماع؛ لأنَّه ليس فيه مصلحةٌ شرعًا مطلقًا، كما أنَّه لا مفسدةَ في الإيمان مطلقًا باعتبار الشرع أيضًا.
ـــ هكذا نكون قد تكلَّمنا عن مسألة المصلحة والمفسدة، والضرورة، والإكراه من قبل.
📌وعندنا أيضًا شبهةٌ أخرى تكلَّم فيها بعض المشايخ، وهي قولهم: إنَّا دخلنا الديمقراطية لأجل جواز الكفر للمصلحة.
فيُقال: ما الأدلة على هذا الكلام؟ ومن أين جاء؟ ومن الذي قاله؟
قالوا: عندنا حديثُ عبد الله بن مسلمة رضي الله عنه، ولمَّا قام كعب بن الأشرف يُشبِّب بنساء المسلمين، ويسبُّ النبيَّ ﷺ، ويفعل بالمسلمين الأفاعيل، قال النبي ﷺ: «مَن يَعذرني من كعب بن الأشرف؟» أو كلَّف بعضَ الصحابة بكعب بن الأشرف ليغتاله.
فقام محمد بن مسلمة رضي الله عنه ومعه جماعةٌ من الصحابة رضي الله عنهم، وكان محمد بن مسلمة أخاه من الرضاعة.
فأقبل عليه، ثم ناداه، فنزل إليه من الحصن، فقال له: إنَّ هذا الرجل قد أعنانا. يعني: أتعبنا، وأدخلنا في العناء بمتابعته.
وكان محمد بن مسلمة قد استأذن النبيَّ ﷺ قبل ذلك أن يقول شيئًا، فقال: يا رسول الله، أتأذن لي أن أقول شيئًا؟ فأذن له.
فقال لكعب: إنَّ هذا الرجل قد أعنانا، وإنَّه قد سألنا الصدقة.
فقال كعب: أما والله، لتملُّنَّه.
وكان محمد بن مسلمة وأبو نائلة رضي الله عنهما يُظهران له كلامًا يُشعر بعدم الرضا؛ حتى يطمئنَّ إليهما ويأمن جانبهما.
ثم قالوا له: إنَّا قد اتبعناه من أول أمره، ولا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى ما يصير إليه أمرُه.
فقال لهم: وما تريدون؟
قالوا: إنَّه قد طلب منَّا الصدقة، وليس عندنا ما نعطيه، فأسلفنا مالًا.
فقال: ارهنوني رهنًا.
فقالوا: ماذا تريد؟
قال: ارهنوني أبناءكم.
فقالوا: يُعيَّر أحدُنا فيقال: رُهن ابنُه في صاعٍ من تمر أو نحوه!
فقال: ارهنوني نساءكم.
فقالوا: كيف نرهن نساءنا وأنت أجمل العرب؟
ثم قالوا: ولكن نرهنك اللأمة.
وكان ذلك من فطنتهم رضي الله عنهم؛ حتى إذا جاؤوه بعد ذلك بالسلاح لم يَرتَبْ في أمرهم.
ثم واعدوه موعدًا، فجاؤوه في الوقت المحدد ومعهم السلاح.
وقال محمد بن مسلمة: سأذكر له طيبَ ريحه، فإذا أمكنتني منه فرصةٌ أمسكتُ رأسه، فاضربوه.
فلمَّا نزل إليهم قالوا: ما أطيب ريحك!
فقال مفتخرًا بنفسه: عندي أعطر نساء العرب.
فقال له محمد بن مسلمة: أتأذن لي أن أشمَّ رأسك؟
فأذن له، فشمَّ رأسه ثم تركه.
ثم مشى معه قليلًا، وقال: أتأذن لي أن أشمَّ رأسك مرةً أخرى؟
فأذن له.
فلمَّا تمكَّن منه قال: دونكم عدوَّ الله.
فضربوه حتى قتلوه.
فقال بعضهم مستدلًّا بهذه القصة: إنَّ فيها جواز الكفر للمصلحة؛ لأنَّ محمد بن مسلمة قال: «إنَّ هذا الرجل قد أعنانا»، وأظهر له نوعَ من المناوأة للنبي ﷺ، أي أظهر أنَّه غيرُ راضٍ عنه.
فيقولون: فهذه دلالةٌ على جواز الكفر للمصلحة.
ثم يقولون: وليس هذا فهمًا حادثًا، بل قد نُقل عن بعض أهل العلم.
فيُذكر كلامُ السبكي في «الأشباه والنظائر»، وأنَّه قال -عند ذكر هذه القصة-: وفيها جواز الكفر للمصلحة، هكذا يقولون.
2️⃣
↩️ثم إنَّ هذا الكلام قد ذكره أيضًا صاحب «عون المعبود» وغيره، فذكروا عن بعض أهل العلم أنَّ في هذه القصة جوازَ الكفر للمصلحة.
فيقال: إذن صار عندنا جوازُ الكفر للمصلحة، فإذا وُجدت المصلحة جاز الأمر!
لكنَّنا -أيها الإخوة- حين نريد الجواب عن هذه المسألة، فلا بدَّ أن نضع القواعد الكلية أولًا.
ولماذا؟
لأنَّ هذه الحادثة التي وقعت حادثةٌ معيَّنة، فهل كلُّ حربٍ دخلها المسلمون فعلوا فيها مثل هذا؟ وهل كلُّ من اغتيل في التاريخ الإسلامي وقع معه مثل ذلك؟ وهل جميع وقائع الاغتيال جرت على هذه الصورة؟
الجواب: لا.
إذن فما حقيقة الأمر؟
هذه -يا إخوة- تُسمَّى «واقعةَ حال»، ووقائع الأحوال لا يُستنبط منها الحكم ابتداءً على هذا الوجه.
وأرجو أن تستحضروا ما مضى من الدروس؛ حتى تعلموا كيف يقع الخطأ في الاستنباط.
فلا بدَّ أن نضع القواعد أولًا.
وقد ذكرتُ لكم هذا الكلام من قبل، لكنَّنا نعيده؛ لأنَّ ما يُحتاج إليه يُكرَّر، ولأنَّنا نريد أن يبقى حاضرًا في الأذهان.
فأنت الآن تقول: يجوز الكفر للمصلحة؟
#نقول: قال الشاطبي رحمه الله في «الموافقات» في المسألة الخامسة من مسائل المصالح والمفاسد:
«بل الإيمان مطلوب بإطلاق، والكفر منهيٌّ عنه بإطلاق».
فدلَّ ذلك على أنَّ جهة المفسدة بالنسبة إلى طلب الإيمان، وجهة المصلحة بالنسبة إلى النهي عن الكفران، غير معتبرتين شرعًا، وإن ظهر تأثيرهما عادةً وطبعًا.
فمن حيث الشرع لا توجد مفسدةٌ في الإيمان أصلًا.
فإن قيل: أليس الصحابة قد أوذوا، وضُربوا، وقُتل بعضهم بسبب الإيمان؟
فالجواب: أنَّ هذه المفاسد مُلغاةٌ في الاعتبار الشرعي، كما تقدَّم بيانه، فالنظر الشرعي هو الميزان.
وإذا كان النظر الشرعي هو المعتبر، فإنَّ وجود المصلحة في الشيء أو عدمها إنما يُنظر إليه من جهة الشرع.
وعليه؛ فالكفر لا مصلحة فيه شرعًا البتة، كما أنَّ الإيمان لا مفسدة فيه شرعًا البتة.
⇐وقد ذكرنا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في أنَّ الله سبحانه من رحمته بعباده لم يجعل مصالحهم في الشرك؛ حتى يتوجَّهوا إلى التوحيد.
‼️فهذا أصلٌ مقرر.
وكذلك ذكرنا كلام ابن رجب رحمه الله في الدروس الماضية، فمَن أراد مراجعته فليرجع إلى تلك الدروس التي خُصِّصت للكلام على المصلحة والمفسدة.
هذا هو كلام أهل العلم.
فإذا كان الأمر كذلك، فما حقيقة ما نُقل عن السبكي؟
بل قبل أن نتكلَّم على كلام السبكي، نسأل: ما هي القواعد التي يُبنى عليها الاستنباط أصلًا؟
انظروا إلى كلام الإمام الشاطبي رحمه الله في «الاعتصام»، وهو يتكلَّم على انحراف أهل البدع، فقال:
«ومنها انحرافهم عن الأصول الواضحة إلى اتباع المتشابهات».
#ثم_قال_رحمه_الله:
«وقد علم العلماء أن كل دليل فيه اشتباه وإشكال فليس بدليل في الحقيقة حتى يتبين معناه ويظهر المراد منه، ويُشترط في ذلك ألا يعارض أصلًا قطعيًّا، فإذا لم يظهر معناه لإجمال أو اشتراك، أو عارضه أصل قطعي، فليس بدليل؛ لأن حقيقة الدليل أن يكون ظاهرًا في نفسه دالًّا على غيره، وإلا احتيج إلى دليل عليه، فإن دلَّ الدليل على عدم صحته فأحرى ألا يكون دليلًا».
وعليه؛ فإنَّنا حين ننظر في الأدلة لا نأخذ بالمتشابهات.
فإن قيل: وما المتشابهات؟
قلنا: مثل هذه الواقعة إذا عورضت بالأصول القطعية.
فهي متشابهة من هذه الجهة؛ لأنها تُعارِض أصلًا قطعيًّا.
والقطعي لا يعارض القطعي، وإنما يقع التعارض بين الجزئي والكلي في الظاهر.
📌ولهذا قرَّر العلماء "أنَّ المسائل الجزئية ووقائع الأحوال لا تهدم الأصول الكلية".
فلا يصح أن يُعارَض أصلٌ عامٌّ محكم بواقعةٍ جزئيةٍ وقعت.
فماذا نصنع إذن؟
نعلم ابتداءً أنَّ هذه الواقعة من المتشابه الذي يجب ردُّه إلى المحكم.
فإذا عُرضت علينا قصة محمد بن مسلمة رضي الله عنه، وقيل لنا: إنَّها دليل على جواز الكفر للمصلحة؛ قلنا مباشرةً: هذا استدلالٌ بمتشابه.
ولِمَ؟
لأنَّ الأصل القطعي المقرر أنَّ الكفر لا مصلحة فيه شرعًا.
⇐فهذا أصلٌ مُسلَّم.
↻وإذا كان كذلك، فلا يمكن أن تُعارِضه هذه الواقعة الجزئية.
وعليه؛ فإنَّ قصة محمد بن مسلمة رضي الله عنه لا تصلح أن تكون دليلًا مستقلًّا على هذا المدَّعى.اعرف هذا أولًا.
3️⃣
▬ أما قول السبكي، فسأبيِّن لكم -إن شاء الله تعالى- لماذا قال ذلك؛ حتى تعلموا أن كلام هؤلاء كلامُ علماء كبار، وأنه لا يجوز أن يُفهم على غير وجهه.
فإذا عرفتَ أن هذه الواقعة من المتشابه، فهذه هي طريقة التعامل معها ابتداءً.
ثم ماذا بعد ذلك؟
قالوا: يُسعى إلى تأويلها بما يوافق الأصول الكلية.
وقد مرَّ معنا كلام الشاطبي رحمه الله في هذا الباب، وأن المتشابه إذا أمكن ردُّه إلى المحكم وتأويله على وجه يوافق القواعد الكلية، صار من المتشابه الإضافي لا من المتشابه الحقيقي.
⇐أما المتشابه الحقيقي فلا يُتوصل إلى معناه، وأما هذا فيُرد إلى المحكم ويُفهم في ضوئه.
ولذلك فإن الذين يتتبعون المتشابهات هم الذين وصفهم الله تعالى بالزيغ.
ولهذا قد تمرُّ عليك بعض الروايات في كتب التاريخ؛ فيذكرها ابن كثير في «البداية والنهاية»، أو يوردها الذهبي، ثم لا يعلِّقان عليها بشيء.
فلا يُظن أن مجرد حكاية الرواية يجعلها دليلًا أو حجةً يُبنى عليها حكم شرعي.
فكيف نتعامل مع مثل هذه الوقائع؟
نتعامل معها بألَّا نجعل الجزئيات مصادمةً للكليات، ولا نجعل وقائع الأعيان هادمةً للأصول العامة.
#وقد_قرر_الشاطبي رحمه الله هذا المعنى مرارًا.
#وقال:
«وقضايا الأحوال ليست أدلة بمجردها؛ لاحتمالها في نفسها».
فواقعة العين تحتمل أكثر من وجه، وقد تكون لها ملابسات أو قرائن لا تظهر لمن نظر إليها مجردة.
⇐أما الدليل الشرعي فلا بد أن تكون دلالته ظاهرةً واضحة.
وكذلك لا أنسى ما نقله عن ابن وضاح رحمه الله من الوصية بلزوم سبيل أئمة الهدى المعروفين، وأن المرء قد يرى اليوم أمورًا أصبحت عند كثير من الناس معروفةً ومألوفة، مع أنها كانت عند السلف منكرةً مردودة.
ولهذا ينبغي الرجوع إلى سبيل السلف وأئمة العلم.
فهل رأيتَ أحدًا من أئمة الإسلام حين ظهرت البدع، أو حين دعا الناس إلى غير الله عز وجل، أو حين وقعت الفتن العظيمة، قال: ندخل معهم قليلًا، أو نأخذ من باطلهم شيئًا لمصلحةٍ متوهَّمة؟
هل قال أحد من أئمة العلم: نتعاون مع أهل الشرك أو الباطل في شيء من ذلك على هذا الوجه؟
لا يُعرف هذا عنهم.
وإنما ظهرت مثل هذه الدعاوى في الأزمنة المتأخرة.
📌ثم نعود إلى مسألة التأويل.
فقد مرَّ معنا أن المتشابه يُرد إلى المحكم.
وقد سبق أن تكلمنا على حديث النبي ﷺ في قوله: «يستحلون الخمر يسمونها بغير اسمها»، وكيف أن الإمام الشاطبي رحمه الله أنكر بشدة بعض التأويلات التي تُفضي إلى تحليل ما حرمه الله.
#وكذلك_الإمام_أحمد رحمه الله، فإنه لما صنف كتاب «الأشربة» لم يعتدَّ ببعض الأقوال المخالفة؛ لأنها عنده مخالفة للسنة، وليست من الخلاف المعتبر.
#ولهذا_ذكر_ابن_رجب رحمه الله في «جامع العلوم والحكم» أن بعض الأقوال -مع جلالة قائليها وقدرهم- تُعد أقوالًا شاذة لا يُعوَّل عليها في مقابلة النصوص المحكمة.
وهذه مسألة مهمة؛ لأن بعض الناس إذا وجد خلافًا ظن أن وجود الخلاف وحده كافٍ في تصحيح القول، وليس الأمر كذلك.
#ثم_ذكر_الشاطبي رحمه الله في بيان حال الراسخين في العلم " أن الله تعالى لما وصف أهل الزيغ باتباع المتشابه، ولم يصف الراسخين بذلك، دلَّ على أن الراسخين لا يتبعون تأويله أي مآله، ولا يطلبون معناه اتباعًا للأهواء أو ابتغاءً للفتنة.
↻فإن تأولوه فالبرد إلى المحكم.
فإذا عُرضت عليك قصة محمد بن مسلمة رضي الله عنه، فاسأل أولًا: ما المحكم الذي تُرد إليه؟
المحكم قوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
والمحكم قوله تعالى:
﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾.
فإذا ثبت المحكم، وجب أن تُفهم القصة في ضوئه.
أما أن تُؤخذ القصة وحدها، ثم يُستخرج منها حكمٌ يبيح الكفر، ويُعارض به المحكمات والأصول القطعية؛ فهذا ليس من طريقة السلف ولا من طريقة الراسخين في العلم.
بل طريقة الراسخين أن يردوا المتشابه إلى المحكم.
#ولهذا_قال_الشاطبي رحمه الله: إن أمكن حمل المتشابه على المحكم بمقتضى القواعد، فهو من المتشابه الإضافي لا الحقيقي.
وعندئذٍ يُرجع في فهمه إلى المحكم الذي هو أمُّ الكتاب.
4️⃣
وإن لم يتؤوِّلوه، فبناءً على أنه من المتشابه الحقيقي، فيقابلونه بالتسليم، ويقولون: آمنا به، كلٌّ من عند ربنا، وهؤلاء هم أولو الألباب.
وهذا المعنى ذكره الشاطبي رحمه الله في «الاعتصام».
#وكذلك_ذكره_الإسنوي في شرحه على «البيضاوي»، حيث قرر أنه إذا وُجد أصلٌ مجمعٌ عليه، ثم وُجدت واقعةٌ أو قصةٌ أو حتى دليلٌ ظاهره المخالفة لذلك الأصل، فإن هذا الدليل يُؤوَّل ويُحمَل على ما يوافق الأصل الكلي؛ لأن المجمع عليه أصلٌ كلي تُرد إليه الجزئيات.
↻فإن لم يُفعل ذلك وقع ما حذَّر منه القرافي رحمه الله من فساد الدين برمته.
ولماذا؟
لأنك حينئذٍ تجعل الكلي تابعًا للجزئي، مع أن الواجب هو العكس.
#فلو_قيل: يجوز الكفر للمصلحة، ثم جُعلت هذه قاعدةً عامة، فمعنى ذلك أن كلَّ أحدٍ ادعى وجود مصلحة جاز له أن يقع في الكفر.
وهذا من أعظم الفساد.
نسأل الله العافية.
‼️فانظر ماذا يترتب على هذا المسلك.
ولهذا ذكرتُ هذه المقدمة؛ لأبين لكم الطريقة الصحيحة في الاستدلال، وكيفية التعامل مع الأدلة.
وربما أكرر هذا المعنى مرارًا؛ لأنه من القواعد المهمة التي ينبغي أن ترسخ في النفس.
فهكذا يكون الاستنباط، وهكذا يكون التعامل مع النصوص والأدلة.
حسنا، إذا كان الأمر كذلك، فما مراد السبكي رحمه الله عندما قال: «يجوز الكفر للضرورة»؟
لابد أولًا من تحقيق معنيين:
◄الأول: معنى الكفر.
◄والثاني: معنى الضرورة.
أما الكفر، فهل المراد به الكفر البواح الذي لا يحتمل تأويلًا، أم المراد به ما قد يُطلق عليه الكفر مع وجود الاحتمال؟
فهنا ينبغي التفريق.
فقد توجد مسائل يطلق عليها بعض العلماء لفظ الكفر، لكنهم لا يريدون به الكفر البواح المخرج من الملة قطعًا، وإنما يريدون معنى آخر يحتمل التأويل.
ولهذا قالوا: إن هناك فرقًا بين الكفر البواح الذي لا يحتمل إلا معنى واحدًا، وبين ما يطلق عليه الكفر مع احتمال وجوه أخرى في الفهم أو التأويل.
#ولهذا_لما_نقل_الشوكاني رحمه الله كلامًا عن الإمام الشافعي في بعض مسائل الصفات، وبيَّن أن بعض أصحابه حملوا هذا الإطلاق على معنى كفر النعمة أو نحو ذلك، لا على الكفر الأكبر المخرج من الملة، كان سبب ذلك وجود الاحتمال في المسألة.
وكذلك في مسائل الصفات، فقد يقع لبعض الناس إشكالٌ أو اضطراب بسبب التشابه، ولهذا كان السلف يردون ذلك إلى المحكم.
⇐وقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه أنكر على من اضطرب عند سماع بعض نصوص الصفات، وقال ما معناه: إنهم يُحسنون التعامل مع المحكم، فإذا جاءهم المتشابه هلكوا فيه.
فالمقصود أن بعض المسائل قد يدخلها الاحتمال، ولذلك يتكلم العلماء فيها بلغةٍ تختلف عن كلامهم في الكفر البواح الصريح الذي لا يحتمل تأويلًا.
ولهذا قرر أهل العلم أن إطلاق الحكم شيء، والحكم على المعيَّن شيء آخر.
فقد يُطلق الوصف على الفعل أو القول من حيث العموم، ثم يبقى النظر في تطبيقه على الأعيان.
أما إذا انتقلنا إلى لفظ «الضرورة» الذي ذكره السبكي، فهنا أيضًا لا بد من التحقيق.
فهل يقصد ضرورةً تبيح الكفر البواح؟
الجواب: لا.
وهذا مما يدل على أن الكلام عنده ليس في الكفر البواح الصريح، وإنما في أمورٍ أُطلق عليها لفظ الكفر مع وجود الاحتمال.
↻ومن الأمثلة التي يذكرها بعض الفقهاء ما نقلوه عن مسألة لبس الزُّنَّار.
والزُّنَّار هو ما كان يختص به أهل الذمة في بعض الأزمنة ليتميَّزوا به عن المسلمين.
فذكر بعض أهل العلم أنه لو لبس الزنار مختارًا على وجه الرضا بشعار الكفار كان ذلك من أقوال أو أفعال الكفر.
لكنهم استثنوا بعض الصور التي يكون فيها غرضٌ آخر معتبر، كدخول دار الحرب لإنقاذ الأسرى أو لتحقيق مصلحةٍ راجحة للمسلمين.
وهنا يظهر أن الكلام ليس في الكفر البواح الصريح الذي لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا، وإلا لما وقع هذا التفصيل أصلًا.
#ولهذا_نُقل_عن_الإمام_أحمد رحمه الله في بعض المسائل المتعلقة بربط ما يشبه الزنار أن العبرة بالمقصد والمعنى، فلو احتاج الإنسان إلى شدِّ ثوبه لئلا تنكشف عورته، ولم يقصد التشبه بالكفار، لم يكن ذلك من باب التشبه المذموم.
فدلَّ ذلك على أن النظر لا يكون إلى الصورة المجردة فقط، بل إلى حقيقتها ومعناها وما احتفَّ بها من القرائن.
ومن هنا يتبين أن كثيرًا من الألفاظ التي يطلقها الفقهاء تحتاج إلى فهم مرادهم وسياق كلامهم، ولا يجوز أن تُؤخذ مجردةً ثم تُحمَل على أعظم المعاني وأشدها دون نظرٍ في اصطلاحهم ومقصودهم.
5️⃣
الله!
إذًا فقضية لبس الزنار والتشبه بالكفار قد تكون محرمة، وقد تكون كفرًا، وقد تكون مكروهة، وقد تكون مجرد خطأ.
ألسنا قد ذكرنا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في «اقتضاء الصراط المستقيم»؟
إذًا هناك أمور يُطلق عليها الكفر مع وجود الاحتمال.
وهذا هو المقصود بالكفر المحتمل.
فقد يكون الفعل في صورةٍ كفرًا، وفي صورةٍ أخرى ليس كذلك، وقد تختلف النية والقصد، فتختلف الأحكام تبعًا لذلك.
وهذه هي المسائل الخفية، يا إخوة.
ولهذا قلت لكم: لا تنسوا أبدًا التفريق بين الصريح والمحتمل، وينبني عليه التفريق بين الظاهر والخفي.
فهذه من القواعد التي يتعامل بها أهل العلم.
ولذلك نقل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن القاضي عياض في «الشفا» أن الألفاظ الصريحة لا مجال فيها للتأويل.
فإذا كان اللفظ صريحًا لا يحتمل إلا معنى واحدًا، لم يُقبل فيه التأويل.
ولهذا أنكر العلماء على طوائف كثيرة من أهل البدع، مع دعوى التأويل؛ لأن الموضع عندهم لا يقبل التأويل أصلًا.
أما إذا دخل الاحتمال على المسألة، أو وُجدت شبهة أو إشكال في طريق الاستدلال، فإن الكلام حينئذٍ يختلف، ويقع البحث في التأويل والشبهة والعذر ونحو ذلك.
ولهذا لا تنسوا هذا الأصل.
#فإذا_قال_السبكي: «يجوز الكفر للضرورة»، فماذا نفهم من ذلك؟
نفهم أن المراد ليس الكفر البواح الصريح؛ لأن الكفر البواح لا يباح أصلًا، ولا مدخل للمصلحة فيه.
وقد يُحمل كلامه على معنى آخر، وهو أن المراد بالضرورة الإكراه الملجئ، كمن يُهدَّد بالقتل أو نحو ذلك.
وهذا تأويل آخر محتمل، وإن كان بعيدًا عن سياق القصة نفسها.
◄فهذه جهة.
◄والجهة الثانية: أن كلام أهل العلم أنفسهم يدل على هذا المعنى.
#فقد_ذكر_ابن_نجيم_الحنفي رحمه الله أن من قال كلمة الكفر أو فعل فعلًا كفريًّا صريحًا كان كافرًا عند الجميع، سواء كان جادًّا أو هازلًا، ولا يُلتفت في ذلك إلى القصد؛ لأن الكلام هنا في الصريح الذي لا يحتمل.
ولهذا كنت أؤكد عليكم دائمًا قضية الظاهر والباطن، والصريح والمحتمل.
فإذا كان الأمر كذلك، فإن حمل كلام السبكي على الكفر المحتمل أولى من حمله على الكفر البواح الصريح.
بل قد يكون مراده أمرًا لا يكون كفرًا أصلًا عند التحقيق.
وما الدليل على هذا الفهم؟
◄أولًا: القواعد التي تقدم ذكرها.
◄وثانيًا: أن السيوطي رحمه الله لما اختصر كتاب «الأشباه والنظائر» وذكر هذا الموضع، عبَّر عنه بقوله:
«وفيه جواز الكفر للإكراه».
↻فإما أن يكون قد استدرك على السبكي، وإما أن يكون قد شرح مراده وبيَّن مقصوده.
⇐ثم إن جماعة من أهل العلم، كابن جرير الطبري، والنووي، وابن حجر، وابن القيم وغيرهم، ذكروا في قصة كعب بن الأشرف أقوالًا متعددة لأهل العلم.
ومجرد وجود الخلاف في تفسير الواقعة يدل على أن المسألة ليست من باب الكفر البواح الصريح؛ لأن الكفر البواح لا يقع فيه هذا النوع من الخلاف، وإنما يُبحث فيه عن وجود الإكراه أو عدمه.
وقد سبق أن ذكرنا الأدلة على ذلك من النصوص والإجماع.
◄فلما تكلم العلماء على قصة كعب بن الأشرف، قال بعضهم:
إن ما صدر من محمد بن مسلمة رضي الله عنه من باب التعريض، وهو جائز في الحرب، وليس من الكفر في شيء.
📌وما التعريض؟
التعريض أو المعاريض هو أن يستعمل الإنسان لفظًا يحتمل معنى صحيحًا، ويفهم منه السامع معنى آخر.
#ولهذا_قال_النبي ﷺ:
«إن في المعاريض لمندوحةً عن الكذب».
فالمعاريض باب معروف عند أهل العلم.
وأريد منكم أن تحفظوا هذه المسألة جيدًا، وأن تستحضروا ما سبق من القواعد؛ حتى يتضح لكم الكلام على وجهه الصحيح.
وسنبين -إن شاء الله عز وجل- معنى المعاريض، وصورها، وما يتعلق بها في اللقاء التالي.
أسأل الله عز وجل أن يجعلني وإياكم ممن إذا دُعي بادر، وإذا نُهي انتهى، وعقل مثواه فهدى لنفسه .
وأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
والحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
Буга эмне дейсиз?
Бул макаланы кайсы тилде окубасын, окурмандар ушул жерде чогуу пикир билдиришет.
Автор жөнүндө
Шейх Самир Мустафа - Мисирдин ислам дининин кабарчысы Абу Абд аль-Рахман Самир ибн Мустафа ал-Суюти. Ал 1976-жылы Асыут губернаторунда төрөлгөн жана Каир губернаторунун Хельван шаарында чоңоюп, жашоосунун көпчүлүгүн өткөргөн. Билим алуу жана билимди издөө Диний изилдөө: Ал жаш кезинен бери диний билим алууга арналган жана Египеттеги бир катар алдыңкы шейхтердин жана окумуштуулардын колунан билим алган. Анын эң көрүнүктүү мугалимдери: Ал шейх Хасан Абу ал-Ашбал аль-Зухайри, шейх Абу Исхак аль-Хувани жана шейх Мухаммад Абд аль-Максуддун жетекчилиги астында окуган. Кабар айтуу жана илимий ишмердүүлүк Намаздар жана лекциялар: Ал жаштарга түздөн-түз сүйлөп турган толкундануучу оратордук стили менен белгилүү болгон жана Каирдин жана Гизанын мечиттеринде жана башка Египеттик губернаторлордо жүздөгөн насааттар жана сабактарды берди. Окумуштуулардын кызыгуусу: Анын кабар айтуусунда ал туура ишенимди курууга, Пайгамбарыбыздын жашоосун жана ислам тарыхын окутууга жана жанды өстүрүүгө көңүл топтогон. Негизги сериялар жана жазуулар: Ал көптөгөн белгилүү жаздырылган серияларды жана сабактарды чыгарган, алардын эң негизгиси "Исламдын улуу салгылашуулары", "Кыска сураларга комментарий" жана "Профеталардын окуялары", ошондой эле ислам динине байланышкан бир катар эмгектерди жана китепчелерди көзөмөлдөгөн. Түрмөдө камалуу: 2017-жылы Омранын каада-салттарын аткарууга саякатка чыкканда кармалгандан кийин анын кабар айтуу иши токтоп калган жана ошондон бери түрмөдө жатат.
Колдоо
Кийинки котормого салым кошуңуз
Turjuman өзү жарыялаган ар бир тилде акысыз окулат жана жарнама албайт. Акча кете турган жери — котормо. Эгер бул чыгарма убактыңызга татыктуу болсо, кийинкиси үчүн бир нерсе жөнөтө аласыз.
USDT · Tron (TRC20)
TCxC8zmmK9fqDy7B4FbeNs2hXJkfMQ6vjc
Бир гана ушул жерде аталган монетаны, бир гана ушул жерде аталган тармак аркылуу жөнөтүңүз. Туура эмес тармак аркылуу жөнөтүлгөн акчаны эч ким кайтара албайт.
Талкуу
Бул макаланын бардык тилине жалпы бир маек жүрөт. Аны Кыргызча тилинде окугандар да, башка каалаган тилде окугандар да ушул жерде сүйлөшүп жатышат.
Кошулуу үчүн каттоо эсеби керек. Бир электрондук почта менен бир сырсөз, башка эч нерсе.
Азырынча эч ким эч нерсе айткан жок. Биринчи болушуңуз мүмкүн.